عندما يُغلق الميكروفون .. هل ينتصر النظام أم يخسر البرلمان؟
سمير حمدان - بودابست
15-07-2026 09:58 AM
في البرلمانات الديمقراطية لا يُقاس نضج المؤسسات بغياب الخلاف، وإنما بقدرتها على إدارته، فالاختلاف ليس عيبًا في الحياة البرلمانية، بل أحد أسباب وجودها، لأن البرلمان لم يُنشأ لتوحيد الآراء، وإنما لاحتضانها ضمن إطار دستوري وقانوني يحول التباين إلى قرارات، ويجعل الحوار وسيلة لصناعة السياسة، لا ضحية لها، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ارتفاع الأصوات، بل أن يصبح إسكاتها هو المشهد الذي يبقى في ذاكرة المواطنين .
تابعت إحدى جلسات مجلس النواب الأردني التي شهدت نقاشًا حول الحكم القضائي المتعلق بسعادة النائب حسن الرياطي، ولست من المتابعين الدائمين لجلسات المجلس أو المختصين في نظامه الداخلي، لكنني أتابع الشأن الأردني باهتمام، وأدرك تمامًا أن الدورة الاستثنائية محددة بجدول أعمالها، وأن النظام الداخلي لا يجيز قانونًا فتح نقاش خارج البنود الواردة فيه، وما استوقفني لم يكن الحكم القضائي بحد ذاته، فهو شأن يحكمه القضاء في إطار الدستور والقانون، وإنما الطريقة التي أُدير بها النقاش تحت القبة، ففي مثل هذه اللحظات لا يراقب المواطن من كسب النقاش، بل كيف تدير المؤسسة التي تمثله خلافًا سياسيًا وهي مطالبة بحماية القانون وصون هيبتها .
ولا خلاف على أن القانون فوق الجميع، وأن احترام الدستور والنظام الداخلي واجب على جميع النواب دون استثناء، فلا يمكن الحديث عن دولة المؤسسات إذا أصبح الالتزام بالقواعد انتقائيًا، كما أن الأحكام القضائية لا يجوز التعامل معها بمنطق الأهواء أو الاصطفافات السياسية، لأن استقلال القضاء وسيادة القانون يمثلان أساس الشرعية الدستورية .
غير أن سيادة القانون لا تكتمل بصحة القرار وحدها، بل تمتد إلى طريقة تطبيقه، فالعدالة ليست نصًا مجردًا، وإنما ممارسة تُشعر المواطنين بأن الإجراءات تُطبق بمعايير واحدة، ولذلك فإن إدارة الجلسات البرلمانية مسؤولية دستورية وسياسية، لأن كل مشهد داخل القبة ينعكس على صورة المؤسسة وثقة المواطنين بها .
ولعل ما حدث في تلك الجلسة يؤكد هذه الحقيقة، إذ انصرف النقاش العام بعد انتهائها إلى أسلوب إدارتها أكثر من انصرافه إلى الحكم القضائي الذي كان محل الحديث، فمن إغلاق الميكروفون، إلى تصاعد التوتر، إلى تداول عبارة «بدك تهاوش؟»، أصبحت الطريقة هي الخبر، بينما تراجع أصل الموضوع، وبغض النظر عن السياق الكامل لتلك العبارة، فإن تحولها إلى محور للنقاش يكشف أن إدارة الجلسة كانت أكثر تأثيرًا في الرأي العام من القضية التي أثارت الجدل .
وفي تقديري، فإن تنفيذ أي إجراء يستند إلى الدستور أو النظام الداخلي لا يتعارض مع إتاحة المجال للنواب للتعبير عن مواقفهم ضمن الحدود التي يرسمها النظام، فالبرلمان ليس محكمةً تراجع الأحكام، ولا سلطةً تنازع القضاء اختصاصه، وإنما مؤسسة دستورية تُدار فيها الآثار السياسية للقرارات القانونية، فالقانون يحسم المركز القانوني، أما البرلمان فيناقش انعكاساته السياسية والدستورية، وبذلك تكتسب القرارات مشروعيتها القانونية والسياسية معًا .
والميكروفون داخل البرلمان ليس مجرد وسيلة تقنية، بل رمز لحق النائب في تمثيل المواطنين، ولذلك فإن استخدام صلاحيات رئاسة المجلس في تنظيم النقاش ينبغي أن يقترن بالحكمة والاتزان، فالحزم لا يتعارض مع الإنصات، كما أن تطبيق النظام لا يعني إغلاق مساحة الحوار قبل استنفاد أدواته .
وتنتظر المجتمعات من رئيس المجلس، بوصفه حارسًا للنظام وممثلًا للمؤسسة، أن يجسد ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، لأن الكلمات التي تُقال تحت القبة لا تُحسب على قائلها وحده، بل تُسهم في تشكيل صورة البرلمان أمام الرأي العام .
وهذا المعنى تؤكده معايير الاتحاد البرلماني الدولي، التي تجعل التمثيل والانفتاح والشفافية والمساءلة واحترام التعددية من ركائز البرلمان الديمقراطي، كما يشير التقرير البرلماني العالمي الصادر عن الاتحاد البرلماني الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الثقة بالمؤسسات التشريعية ترتبط بعدالة الإجراءات وجودة الحوار، بقدر ارتباطها بصحة القرارات .
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الحديث على أنه دفاع عن النائب حسن الرياطي أو انتقاد شخصي لرئاسة المجلس، فالأشخاص يرحلون وتبقى المؤسسات، والنقد المسؤول لا يستهدف الأفراد، وإنما يسعى إلى حماية المؤسسة وتعزيز مكانتها .
لقد بنى الأردن عبر عقود تجربة دستورية ومؤسساتية تستحق التقدير، وكان مجلس النواب أحد أهم أعمدتها، والمحافظة على مكانة هذه المؤسسة لا تتحقق بتطبيق النظام الداخلي وحده، بل أيضًا بالارتقاء بثقافة إدارة الخلاف، وإظهار أن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى الحوار .
وفي النهاية، قد ينسى الناس تفاصيل الوقائع، لكنهم لا ينسون الصورة التي خرجت بها المؤسسة أمامهم، فإذا كان البرلمان يستمع قبل أن يحكم، ويحاور قبل أن يحسم، ويطبق القانون بعدل ووقار، فإنه يعزز ثقة المواطنين، أما إذا غلبت صورة الانفعال على صورة الحوار، فإن الخسارة لا تكون لنائب أو لرئيس مجلس، بل للمؤسسة البرلمانية نفسها، فالدول تُبنى بالقانون، لكن ثقة الشعوب تُبنى بالحكمة، وهيبة البرلمان لا تُقاس بعدد الأصوات التي يستطيع إسكاتها، بل بعدد الأصوات التي يستطيع استيعابها وهو يحافظ على النظام وسيادة الدستور .