facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قطاع الثقافة .. من إدارة النشاط إلى صناعة المستقبل


محمد ابوسماقة
15-07-2026 12:07 PM

لم يعد الحديث عن إصلاح القطاع الثقافي ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالثقافة ليست نشاطاً هامشياً يمكن تأجيله أو تقليصه كلما ضاقت الموازنات، وليست بنداً ثانوياً في خطط التنمية، وإنما هي أحد أهم ركائز بناء الهوية الوطنية، وصناعة الوعي، وتعزيز الانتماء، وترسيخ صورة الدولة في الداخل والخارج، كما أنها تمثل اليوم أحد مكونات الاقتصاد الحديث والقوة الناعمة للدول.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي استثمرت في الثقافة لم تكن تستثمر في الترفيه أو الفنون فحسب، بل كانت تستثمر في الإنسان، وفي استقرار المجتمع، وفي بناء اقتصاد إبداعي قادر على المنافسة، وفي تعزيز حضورها الإقليمي والدولي. فالثقافة أصبحت صناعة متكاملة، تمتد من المسرح والسينما والموسيقى والأدب إلى الصناعات الإبداعية والمحتوى الرقمي والسياحة الثقافية، ولم تعد مجرد نشاط موسمي أو فعالية احتفالية.

لكن المتابع للمشهد الثقافي الأردني خلال السنوات الأخيرة يدرك أن الأزمة لم تعد أزمة موازنات فقط، بل أصبحت أزمة رؤية، وإدارة، وأولويات، وفهم للدور الحقيقي الذي ينبغي أن تؤديه الثقافة في مشروع الدولة التنموي.

لقد شهد الأردن في عامي 2005 و2006 إطلاق خطة للتنمية الثقافية، التي شكلت آنذاك رؤية متقدمة لبناء قطاع ثقافي منتج ومستدام. وانطلقت من مشاريع استراتيجية كانت تمثل العمود الفقري للحركة الثقافية، وفي مقدمتها مهرجانات المسرح، ومهرجانات الغناء، ومهرجانات الأفلام، ومشروع مكتبة الأسرة، إضافة إلى برامج هدفت إلى جعل الثقافة جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني للتنمية.

ولم تكن قيمة تلك الخطة في حجم مشاريعها فقط، بل في فلسفتها التي قامت على اعتبار الثقافة استثماراً طويل الأمد، لا موسماً عابراً، وعلى بناء مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة والإبداع بصورة مستمرة، بعيداً عن الارتباط بالأشخاص أو الإدارات المتعاقبة.

ولو تم الحفاظ على تلك المشاريع، وتطويرها، وتوسيعها بما يواكب التحولات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين، لكان المشهد الثقافي الأردني اليوم أكثر قوة وتأثيراً، ولكانت تلك المشاريع قد تحولت إلى مؤسسات ثقافية راسخة تنتج الإبداع، وتصنع أجيالاً جديدة من الفنانين والكتاب والموسيقيين وصناع الأفلام، وتوفر بيئة قادرة على المنافسة عربياً ودولياً.

لكن الذي حدث، للأسف، كان في الاتجاه المعاكس.

تراجعت المشاريع الكبرى، وانخفضت الموازنات المخصصة لمهرجانات المسرح، والغناء، والأفلام، والفنون الأدائية، حتى فقد كثير منها دوره الحقيقي، وتحول بعضها إلى فعاليات بروتوكولية تكتفي بحفل افتتاح وختام، بينما تراجع الإنتاج الثقافي الذي يمثل جوهر وجودها.

إن المهرجان الثقافي ليس مناسبة احتفالية، ولا منصة للعلاقات العامة، بل مصنع للإبداع، ومنصة للإنتاج، ومختبر لاكتشاف المواهب، وفضاء للحوار مع التجارب العربية والعالمية، ومحرك للصناعات الثقافية. وعندما يُختزل هذا الدور أو تُخفض موازناته، فإن الخسارة لا تقع على الفنان وحده، بل تمتد إلى المجتمع والدولة، لأن الثقافة في جوهرها استثمار في المستقبل.

وفي المقابل، اتجهت الإدارة التنفيذية خلال السنوات الأخيرة إلى التوسع في عشرات الأنشطة الصغيرة والمتفرقة التي قد تحقق حضوراً إعلامياً آنياً، لكنها لا تترك أثراً ثقافياً مستداماً. فالثقافة لا تُبنى بتجزئة الجهد، ولا بتوزيع الموارد على فعاليات متفرقة، وإنما ببناء مشاريع استراتيجية تتراكم نتائجها عاماً بعد عام.

إن استبدال المشاريع الوطنية الكبرى بأنشطة محدودة الأثر يعكس خللاً في ترتيب الأولويات، ويكشف الحاجة إلى مراجعة شاملة للرؤية التي يُدار بها القطاع الثقافي، وإلى إدراك الفارق الجوهري بين إدارة النشاط وإدارة المشروع الثقافي. فالنشاط ينتهي بانتهاء يومه، أما المشروع فيبني تراكمات، ويخلق مؤسسات، ويصنع أثراً يمتد لسنوات طويلة.

والمشكلة الأعمق أن الثقافة أصبحت، في كثير من الأحيان، تُدار بعقلية أقرب إلى العمل الاجتماعي أو التنموي التقليدي، بينما الإبداع له منطقه المختلف. نعم، للثقافة دور اجتماعي وتنموي لا يمكن إنكاره، لكنها لا تؤدي هذا الدور عبر المحاضرات وحدها، ولا عبر الندوات التي تنتهي بانتهاء يومها، بل عبر إنتاج المسرحية، والفيلم، والرواية، والأغنية، والكتاب، والعمل الفني الذي يبقى في ذاكرة الناس، ويؤثر في وعيهم، ويعيد تشكيل علاقتهم بوطنهم ومجتمعهم.

ولهذا فإن الأثر الثقافي لا يُقاس بعدد الرعايات، ولا بعدد الأنشطة المنفذة، ولا بعدد الصور المنشورة في وسائل الإعلام، وإنما بحجم الإنتاج الإبداعي الذي يخرج إلى المجتمع، وبقدرته على صناعة المعرفة، وتوسيع مساحة الحوار، وتعزيز الهوية الوطنية، وخلق قيمة اقتصادية وثقافية في آن واحد.في الرسالة التالية سأرسل الجزء الثاني، والذي يتناول السردية الوطنية، وعلاقة المؤسسة الثقافية بالمبدعين، وأسباب ابتعادهم عن المشهد، وصولاً إلى الرؤية الإصلاحية المقترحة.

ومن أكثر الملفات التي تكشف عمق هذا الخلل، ملف السردية الوطنية.

فالجميع يتحدث اليوم عن أهمية بناء السردية الوطنية، لكن التعامل معها ظل، في كثير من الأحيان، تعاملاً يركز على الخطاب أكثر من المنتج، وعلى المناسبات أكثر من المشروع. فامتلأت القاعات بالمؤتمرات والندوات والمحاضرات، بينما بقي الإنتاج الإبداعي القادر على تجسيد هذه السردية محدوداً، رغم أنه الأداة الأكثر تأثيراً واستدامة.

والحقيقة أن السردية الوطنية لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تُصنع بالأعمال الإبداعية التي تعيش في وجدان الناس. فهي تحتاج إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات تلفزيونية، ومسرحيات، ووثائقيات، وأغانٍ، وروايات، وكتب للأطفال، ومحتوى رقمي حديث يصل إلى الأجيال الجديدة، ويتحدث بلغتها، ويعبر عن تاريخ الدولة ومنجزاتها وقيمها وطموحاتها.

فالدول التي نجحت في ترسيخ هويتها لم تعتمد على الخطاب الرسمي وحده، بل استثمرت في الثقافة بوصفها الوسيلة الأقدر على حفظ الذاكرة الوطنية، وصناعة الصورة الذهنية، وتعزيز الانتماء، ومخاطبة العالم بلغته. أما الاكتفاء بالحديث عن السردية الوطنية دون إنتاجها، فهو إهدار لفرصة وطنية كبرى، ويترك المجال للروايات الأخرى كي تملأ الفراغ.

ولا تقل خطورة عن ذلك العلاقة بين المؤسسة الثقافية والمبدع.

ففي كثير من الأحيان، عندما يتقدم صاحب خبرة أو مبدع أو مختص بمشروع نوعي، لا يجد مؤسسة تحتضن فكرته وتطورها، بل يواجه حالة من التحفظ أو التجاهل، وكأن المبادرة أصبحت عبئاً بدلاً من أن تكون فرصة، وكأن صاحب المشروع منافس للمؤسسة لا شريكاً في نجاحها.

وهذا الواقع أفرز خلال السنوات الأخيرة واحدة من أخطر الظواهر التي يعاني منها القطاع الثقافي، وهي انسحاب عدد كبير من المبدعين الحقيقيين وأصحاب المبادرات من المشهد الثقافي طوعاً. فلم يغيبوا لأنهم فقدوا القدرة على العطاء، ولا لأنهم توقفوا عن الإبداع، وإنما لأنهم فقدوا الثقة بأن أفكارهم ستجد من يتبناها أو يحولها إلى مشاريع وطنية مستدامة.

حتى إن كثيراً منهم لم يعد يطرق أبواب وزارة الثقافة، بعدما ترسخت لديه قناعة بأن الأولوية لم تعد للمشروع الإبداعي الكبير، وإنما للأنشطة السريعة، والفعاليات محدودة الأثر، والإدارة اليومية التي تستهلك الوقت والموارد دون أن تترك أثراً حقيقياً.

لقد أصبحت المؤسسة الثقافية، في نظر كثير من المبدعين، أقل قدرة على استقطاب أصحاب الخبرة والتجارب العميقة، بينما اتسعت مساحة المبادرات السطحية التي لا تصنع أثراً، ولا تبني مشروعاً ثقافياً مستداماً. وهنا تكمن الخطورة، لأن أي مؤسسة تفقد ثقة مبدعيها، تفقد تدريجياً قدرتها على قيادة المشهد الثقافي.

إن المبدع الحقيقي لا يقدم نشاطاً عابراً، بل يطرح الأسئلة الصعبة، ويقترح رؤى جديدة، ويبتكر مشاريع تحتاج إلى قرار، وإرادة، وشجاعة في التنفيذ. ولذلك فإن احتضان هذه الطاقات يجب أن يكون مصدر قوة للمؤسسة، لا سبباً للابتعاد عنها. أما عندما تصبح الأفكار الكبيرة عبئاً، فإن النتيجة الطبيعية هي انسحاب أصحابها، وخسارة الوطن لخبرات تراكمت عبر عقود طويلة.

ولا يرتبط هذا الخلل بالأفراد بقدر ما يرتبط بغياب الاستقرار في السياسات الثقافية. فقد أسهم تعاقب المسؤولين التنفيذيين على وزارة الثقافة خلال السنوات الأخيرة، في ظل غياب رؤية مؤسسية طويلة المدى، في إضعاف المشهد الثقافي. فكل إدارة تبدأ من نقطة الصفر، وتعيد ترتيب الأولويات وفق اجتهاداتها، بينما تحتاج الثقافة إلى تراكم في الإنجاز، واستمرارية في السياسات، والبناء على ما تحقق، لا إلى تغييرات متكررة تقطع مسار التطوير.

ولعل أكثر ما يدعو للأسف أن كثيراً من وزراء الثقافة يبدأون مهامهم بحماس كبير، ورغبة صادقة في التغيير، لكن هذا الحماس يخبو مع مرور الوقت أمام ثقل الإدارة اليومية، وتأثير الجهاز التنفيذي، وغياب مشروع ثقافي وطني واضح ومستدام. فتتبدل الأولويات، وتتراجع المشاريع الاستراتيجية، ويبقى المشهد الثقافي يدور في الحلقة نفسها، بينما يبتعد المبدعون أكثر فأكثر عن المؤسسة التي كان يفترض أن تكون بيتهم الأول.

والأردن، في الحقيقة، لا يعاني من نقص في المبدعين، بل يملك رصيداً كبيراً من الطاقات والخبرات التي أثبتت حضورها عربياً ودولياً في الأدب، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والفنون البصرية، والترجمة، وصناعة المحتوى. وما يحتاجه هؤلاء ليس أكثر من بيئة مؤسسية تؤمن بالإنتاج، وتمنحهم الثقة، وتوفر لهم الأدوات، وتتعامل معهم باعتبارهم شركاء في بناء المشروع الثقافي الوطني.

ومن هنا، فإن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقتصر على معالجة الأعراض، بل يجب أن يتحول إلى برنامج عمل واضح المعالم. ويبدأ ذلك بإعداد استراتيجية ثقافية وطنية تمتد لعشر سنوات، تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وتضمن استقرار السياسات، واستمرارية المشاريع، بعيداً عن الاجتهادات المرحلية أو تغير الإدارات.

كما تقتضي المرحلة إعادة هيكلة المهرجانات الوطنية، لتستعيد دورها بوصفها منصات للإنتاج الثقافي والإبداعي، لا مجرد فعاليات موسمية، بحيث تصبح حاضنة للمسرح، والسينما، والموسيقى، والفنون الأدائية، ومختبراً لاكتشاف المواهب، ورعاية التجارب الجديدة، وتشجيع الإنتاج المشترك مع المؤسسات العربية والدولية.

وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى إنشاء صندوق وطني لدعم الإنتاج الثقافي والفني، يموّل المشاريع الإبداعية النوعية وفق معايير مهنية شفافة، ويشجع الشراكة مع القطاع الخاص، ويمنح المبدعين القدرة على تحويل أفكارهم إلى أعمال مؤثرة، بدلاً من أن تبقى مجرد مقترحات في الأدراج.

كما أن بناء السردية الوطنية يتطلب إطلاق برنامج وطني متكامل لإنتاج الأفلام، والمسلسلات، والمسرحيات، والوثائقيات، والروايات، والمحتوى الرقمي، بما يرسخ الهوية الوطنية، ويحفظ الذاكرة، ويخاطب الأجيال الجديدة، ويعزز صورة الأردن في الداخل والخارج.

ولضمان استدامة هذه الرؤية، يصبح من الضروري تشكيل مجلس استشاري ثقافي يضم نخبة من المبدعين والخبراء والمختصين، تكون مهمته تقديم المشورة، ومراجعة السياسات، وتقييم البرامج، وضمان البناء على الإنجازات بدلاً من البدء من نقطة الصفر مع كل تغيير إداري. فالمؤسسات الثقافية القوية لا تُبنى بالأفراد وحدهم، وإنما بمنظومة مؤسسية قادرة على التخطيط، والتطوير، والتراكم.

إن إعادة صياغة القطاع الثقافي لا يمكن أن تكتمل دون النظر إلى الثقافة باعتبارها جزءاً من الاقتصاد الحديث، وليس فقط مجالاً للإنفاق العام. فقد أصبحت الصناعات الثقافية والإبداعية في كثير من دول العالم قطاعاً اقتصادياً منتجاً، يخلق فرص العمل، ويولد القيمة المضافة، ويستقطب الاستثمار، ويسهم في تعزيز السياحة، ويرتبط ارتباطاً مباشراً بالابتكار والتكنولوجيا.

ومن هنا فإن الثقافة الأردنية بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الدعم التقليدي للنشاط الثقافي إلى مفهوم الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي. فالمسرح، والسينما، والموسيقى، والنشر، والتصميم، والحرف التراثية، وصناعة المحتوى الرقمي، كلها مجالات يمكن أن تتحول إلى قطاعات إنتاجية حقيقية إذا توفرت لها البيئة المناسبة، والتشريعات الداعمة، والتمويل، والتخطيط المهني.

إن الاستثمار في الثقافة لا يعني زيادة الإنفاق على الفعاليات فقط، بل يعني بناء منظومة قادرة على تحويل الموهبة إلى مشروع، والفكرة إلى منتج، والإبداع إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية. وهذا يتطلب تغييراً في طريقة التفكير تجاه القطاع الثقافي، بحيث لا يُنظر إليه باعتباره عبئاً على الموازنة، بل باعتباره رصيداً وطنياً يمكن أن يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن أي مشروع لإعادة بناء القطاع الثقافي يجب أن يولي أهمية حقيقية للامركزية الثقافية. فالثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في العاصمة، ولا أن تختزل في عدد محدود من الفعاليات المركزية. فالمحافظات الأردنية تزخر بالمواهب والطاقات والقصص والتجارب التي تحتاج إلى من يكتشفها ويرعاها ويمنحها فرصة الظهور.

إن المطلوب ليس نقل الفعاليات من مكان إلى آخر فقط، بل بناء بنية ثقافية قادرة على الإنتاج في مختلف مناطق المملكة، من خلال مراكز ثقافية فاعلة، وبرامج لاكتشاف المواهب، ودعم المشاريع المحلية، وربط الثقافة باحتياجات المجتمعات المحلية وخصوصياتها. فالتنمية الثقافية الحقيقية هي التي تصل إلى الإنسان أينما كان، وتمنحه فرصة المشاركة وصناعة المحتوى، لا أن يبقى مجرد متلقٍ للأنشطة القادمة من المركز.

وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، لم يعد ممكناً الحديث عن مستقبل الثقافة دون الحديث عن التحول الرقمي. فقد تغيرت طرق إنتاج المعرفة والفن، وأصبحت المنصات الرقمية وسائل أساسية للوصول إلى الجمهور، وأصبح المحتوى الثقافي قادراً على تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى ملايين المتابعين.

ولهذا فإن الثقافة الأردنية بحاجة إلى استراتيجية رقمية واضحة، تستثمر في إنتاج المحتوى الثقافي الحديث، وتدعم الكتاب الإلكتروني، والمنصات الرقمية، والأفلام القصيرة، والمحتوى المرئي والمسموع، وتستفيد من التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي في حفظ الأرشيف الوطني، وتوثيق الذاكرة الثقافية، والوصول إلى الأجيال الشابة بلغتها وأدواتها.

فالعالم لم يعد ينتظر المنتج الثقافي في قاعاته التقليدية فقط، بل يبحث عنه عبر الهاتف والمنصات الرقمية وشبكات التواصل. ومن لا يمتلك حضوراً رقمياً مؤثراً، يخسر جزءاً كبيراً من قدرته على الوصول والتأثير.

ويبرز هنا سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أين يقف قطاع الثقافة ضمن أولويات خطة التحديث الاقتصادي للحكومة، سواء في برامجها الحالية أو في رؤيتها المستقبلية؟ وهل يحظى هذا القطاع بالمكانة التي تليق بدوره بوصفه أحد مكونات الاقتصاد الإبداعي، والقوة الناعمة، والاستثمار في الإنسان؟

كما يفرض الواقع تساؤلاً آخر حول وجود تقييم حقيقي للأثر والإنجاز في القطاع الثقافي، لا يقتصر على عدد الأنشطة والفعاليات المنفذة، بل يقيس أثرها في تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية، وفي بناء الهوية الوطنية، وتوسيع المشاركة الثقافية، وتعزيز مساهمة الثقافة في الاقتصاد الوطني.

فنجاح القطاع الثقافي لا يمكن أن يُقاس فقط بعدد المهرجانات أو الندوات أو البرامج التي يتم تنفيذها، بل يحتاج إلى مؤشرات أكثر عمقاً، مثل عدد الأعمال الإبداعية المنتجة، وحجم انتشارها، وعدد المواهب التي تم اكتشافها ورعايتها، ومقدار مساهمة الصناعات الثقافية في الاقتصاد، وفرص العمل التي يوفرها القطاع، والحضور الإقليمي والدولي للإنتاج الثقافي الأردني.

كما يجب أن تكون مفاهيم التنمية المستدامة حاضرة في سياسات هذا القطاع وبرامجه، بحيث تصبح الثقافة جزءاً من عملية التنمية الشاملة، لا مجرد نشاط منفصل عنها. فالثقافة تسهم في بناء الإنسان، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وحفظ التراث، وتشجيع الابتكار، وهي جميعاً عناصر أساسية في أي رؤية تنموية طويلة المدى.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارة القطاع الثقافي، تقوم على الانتقال من إدارة الفعاليات إلى بناء المشاريع، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن التركيز على الحضور المؤقت إلى صناعة الأثر المستدام.

لقد آن الأوان لإعادة صياغة القطاع الثقافي على أسس جديدة، تعيد الاعتبار للمشاريع الاستراتيجية، وتعيد للمهرجانات دورها الحقيقي، وتحوّل السردية الوطنية من عنوان لمحاضرة إلى مشروع إنتاج متكامل، وتستثمر في الإنسان المبدع، لا أن تكتفي بإدارة النشاط.

فالأمم لا تُعرف بعدد محاضراتها، ولا بعدد مؤتمراتها، وإنما بما تنتجه من مسرح، وسينما، وموسيقى، وأدب، وفنون، وما تتركه من أثر في وجدان شعوبها.

إن الثقافة ليست ترفاً، بل استثمار في المستقبل، وكل دينار يُنفق على مشروع ثقافي حقيقي هو استثمار في هوية الدولة، وفي قوتها الناعمة، وفي أمنها الفكري، وفي قدرتها على المنافسة في عالم أصبحت فيه المعرفة والإبداع من أهم مصادر القوة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع بشجاعة: هل نريد إدارةً للثقافة، أم مشروعاً وطنياً للثقافة؟ لأن الفرق بينهما هو الفرق بين نشاط ينتهي بانتهاء يومه، وإنجاز يبقى أثره لعقود.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :