الأحزاب السياسية في الأردن: بين متطلبات التحديث وأزمة الثقة
عبدالله حمدان الزغيلات
15-07-2026 04:49 PM
مر المشهد السياسي الأردني بمرحلة انتقالية حاسمة تعتمد بشكل أساسي على الأحزاب السياسية كبوابة رئيسية للتحديث السياسي، مبنية على فرضية (لا إصلاح سياسي دون أحزاب فاعلة)، بحيث تأتي أهمية هذه الفرضية لتحليل وتفسير الحالة، وغالبًا ما يستعان بها في أدبيات النظم السياسية المعاصرة، وخاصة للدول النامية. ويهدف الأردن من عملية التحديث هذه الوصول إلى الحكومات البرلمانية مستقبلاً. وعلى الرغم من دفع الجهود الرسمية نحو تطوير آليات العمل الحزبي، بداية من تشريع القوانين الخاصة (الانتخاب والأحزاب) لضمان مقاعد ثابتة لها في مجلس النواب، إلا أن هناك حاجز ثقة ما يزال نشطا يفصل بين هذه الأحزاب والشارع الأردني.
أزمة الثقة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية وأمنية ممتدة، عاشها المجتمع الأردني إبان حقبة الأحكام العرفية حتى نهاية عقد الثمانينات. أما عام 1989 باعتباره محطة سياسية لمرحلة الانفراج الديمقراطي، ومع ذلك بقيت المخاوف ذاتها وأزمة انعدام الثقة حاضرة.
ومع الحراك الاصلاحي الذي حدث منذ عام 1992 لتطوير الحياة السياسية، وتسريع قوانين تضمن المشاركة المجتمعية، فبقيت الحياة الحزبية ضعيفه، فلم تستطيع الأحزاب استقطاب حشود من المجتمع المحلي، وكذلك العديد من الأحزاب الناشئة أو الحديثة، التي تأسست برعاية نخب سياسية ومسؤولين سابقين، ثم اختفت عن الساحة، مما جعل الشارع ينظر إليها باعتبارها أحزاب شكلية أو أدوات لإعادة إنتاج الوجوه التقليدية ذاتها للوصول إلى السلطة، دون قاعدة شعبية حقيقية.
تفتقر الكثير من الأحزاب الأردنية إلى الهوية الأيديولوجية أو البرامجية الواضحة. فالخطابات متشابهة والوعود فضفاضة، في وقت يعاني فيه المواطن من تحديات اقتصادية خانقة (الفقر، البطالة، التضخم، صعف الأجور) وخاصة بين فئة الشباب. ومن المفترض تكون هذه الفئة من أولويات استهداف الأحزاب، لكن هذه الفئة لم تجد منصات تعبر عن تطلعاتهم، فهذا يؤكد على عجز الأحزاب من تقديم حلول علمية لهذه الأزمات، مما يكرس فكرة عدم جدواها.
جاءت مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لتشكل رافعة قانونية لإنعاش الحياة الحزبية، وتمثلت في خطوات هامة:
1- تخصيص مقاعد حزبية: تتصاعد تدريجيًا في الدورات الانتخابية المتتالية للوصول إلى برلمان تقوده الأغلبية الحزبية.
2- بناء إطار قانوني: اتاحة الفرصة للشباب للانخراط في العمل الحزبي، خاصة في الجامعات.
3- دعم القيادة السياسية: يحظى مشروع التحديث السياسي بتبني ورعاية مباشرة من القيادة السياسية المتمثلة بجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، مما يمنحه القوة والزخم اللازمين لتبديد الشكوك حول تلك الأزمة من جهة الدولة، ويشكل الضمانة الأساسية لحياد مؤسسات الدولة وإنفاذ القوانين الجديدة دون إعاقة أو تباطؤ.
على الرغم من هذه المكتسبات الهامة، أظهرت نسب المشاركة في المحطات الانتخابية الأخيرة ومؤشرات استطلاعات الرأي أن الفجوة ما تزال قائمة، إذ إن التحديث السياسي يحتاج إلى وقت ليتحول إلى أرض الواقع، وهنا، يتطلب جهود إضافية ملقاه على عاتق الأحزاب السياسية الحالية للحد من أزمة الثقة القائمة.
الخروج من أزمة الثقة يتطلب جهدًا تشاركيًا لا يقتصر على القوانين فحسب، بل يمتد إلى سلوك الأحزاب على أرض الواقع، وطريقة تعاملها مع قواعدها، ومرونتها وآليات تعاملها مع الجهات الرسمية وغير الرسمية، وأهما تبني نموذج ديمقراطي داخلي يتيح مشاركة الأعضاء أنفسهم والوصول إليهم، وأيضًا ضمان وصولهم.
إن أزمة الثقة بالأحزاب في الأردن ليست مستعصية، لكنها تحتاج إلى جهود إضافية يجب أن تتبناها الأحزاب بكل جدية وصرامة. فلن يؤمن المواطن بالحزب إلا عندما يرى أن الأحزاب تعبر عن تطلعاته وتدافع عن حقوقه على الصعيد الوطني أو تحت القبة بناءً على برامجية ومنهجية، وليس بحثًا عن استعراض سياسي. التجربة ما تزال في بدايتها، والبناء التراكمي هو الكفيل بتغيير الثقافة المجتمعية نحو حياة حزبية ناضجة.