الاتجار .. بالبشر جريمة الأمس واليوم (1-3)
سارة طالب السهيل
16-07-2026 12:38 AM
كل دقيقة تمر في هذا العالم، قد يفقد إنسان حريته، وقد يتحول طفل إلى سلعة، أو امرأة إلى رقم في شبكة إجرامية، أو عامل إلى عبد لا يملك حتى حق العودة إلى وطنه. وما دام هناك من يبيع كرامة الإنسان ويشتريها، فإن الاتجار بالبشر سيبقى من أبشع الجرائم التي تهدد ضمير البشرية، لأنه لا يستهدف الجسد وحده، بل يسلب الإنسان إنسانيته وحقه في الحرية والكرامة والأمان.
لقد كتبتُ أكثر من مرة عبر السنوات عن الاتجار بالبشر، محاولةً كشف خيوطه المتشابكة في مجتمعاتنا، فتناولت الاتجار بالنساء، والمتاجرة بالأطفال، والاستغلال في التسول، وعمالة الأطفال، وتجنيد الصغار والشباب في التنظيمات الإرهابية والعصابات الإجرامية، والاستغلال الجنسي، وتجارة المخدرات، وغيرها من صور تحويل الإنسان إلى وسيلة للربح. لكن هذه الجريمة، مع الأسف، لا تتوقف عن ابتكار وجوه جديدة، حتى باتت اليوم واحدة من أخطر الجرائم المنظمة العابرة للحدود.
وفي الثلاثين من يوليو/تموز من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة تذكيراً بأن ملايين البشر ما زالوا يعيشون تحت وطأة الاستغلال، وأن الدفاع عن كرامة الإنسان ما يزال معركة مستمرة تتطلب يقظة المجتمع بأسره، لا الحكومات وحدها.
ولعل من يتابع نشرات الأخبار، أو يتصفح منصات التواصل الاجتماعي، أو يقرأ تقارير المنظمات الدولية، يدرك أن الاتجار بالبشر لم يعد جريمة ترتبط ببلد معين أو بثقافة محددة، بل أصبح ظاهرة عابرة للحدود، تستغل كل أزمة، وكل حرب، وكل موجة نزوح، وكل ثغرة قانونية أو تقنية، لتصنع من الإنسان سلعة تباع وتشترى بأشكال مختلفة.
ويعرّف بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، المعروف بـ"بروتوكول باليرمو" الصادر عام 2000 الاتجار بالبشر بأنه تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم باستخدام القوة أو التهديد أو الخداع أو استغلال حالة الضعف، بقصد الاستغلال. ويشمل ذلك الاستغلال الجنسي، والعمل أو الخدمة قسراً، والرق أو الممارسات الشبيهة به، والاسترقاق، ونزع الأعضاء، وغيرها من صور الاعتداء على حرية الإنسان وكرامته.
ورغم أن التعريف القانوني للاتجار بالبشر لم يتبلور إلا مع بروتوكول باليرمو عام 2000، فإن جذور هذه الجريمة تمتد إلى أعماق التاريخ، وإن اختلفت أسماؤها وأساليبها عبر العصور. فمن الحضارات التي وُثقت فيها ظاهرة استرقاق أسرى الحروب حضارات بلاد الرافدين، حيث استُخدم الأسرى في المعابد والأعمال الزراعية والإنشائية. ثم عرفت الحضارة المصرية القديمة، والحضارة الفينيقية، والإغريقية، والرومانية، أشكالاً متعددة من الرق ارتبطت بالحروب والتوسع العسكري والاقتصاد، حتى أصبح العبيد جزءاً أساسياً من الإنتاج في المنازل والمزارع والمناجم والمشروعات العامة. أما في مصر القديمة، فقد عرفت بعض الفترات التاريخية وجود الرق وأسرى الحروب والعمل الإجباري، إلا أن كثيراً من علماء الآثار المعاصرين يرون أن بناة الأهرامات كانوا في الغالب عمالاً مأجورين ومنظمين، وليسوا عبيداً بالمعنى الشائع، وهو ما يجعل الصورة التاريخية أكثر تعقيداً مما رسخته بعض الروايات القديمة.
كما عرفت بعض المجتمعات العربية قبل الإسلام وبعده وجود الرق، شأنها شأن معظم حضارات العالم آنذاك، ثم جاءت التشريعات الإسلامية لتضيّق مصادره تدريجياً، وتوسع أبواب العتق، وتحث على تحرير الرقاب، وتجعل عتق العبيد من أعظم القربات والكفارات، في مسار إصلاحي هدف إلى تقليص هذه الظاهرة وإنهاء أسبابها. غير أن أكثر صور الاتجار بالبشر اتساعاً وتأثيراً في التاريخ الحديث تمثلت في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، حين نُقل ما يقارب 12.5 مليون إفريقي قسراً إلى الأميركتين، في واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ. وقد شاركت في هذه التجارة قوى استعمارية عدة، حيث استُغل ملايين البشر في المزارع والمناجم والأعمال الشاقة ضمن منظومة اقتصادية ضخمة قامت على نزع إنسانية الضحايا وتحويلهم إلى أدوات للإنتاج والربح. ومع أن القرن التاسع عشر شهد إلغاء العبودية قانونياً في معظم دول العالم، فإن الجريمة لم تختفِ، بل غيّرت وجهها فقط؛ فبدل الأسواق المفتوحة ظهرت الشبكات السرية، وبدل القيود الحديدية ظهرت وسائل أكثر تعقيداً تقوم على الخداع، والابتزاز، والديون، وسحب الوثائق، واستغلال الحاجة والفقر... .
الراي