الجامعات الأردنية بين الإنجاز الوطني وضرورة التحديث
د.أسمهان ماجد الطاهر
16-07-2026 01:00 AM
تعد الجامعات الأردنية واحدة من أبرز واهم المؤسسات التي تهتم بتطوير التعليم العالي وبناء القدرات البشرية وتعزيز مكانة الأردن العلمية على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية، استطاعت الجامعات الأردنية أن تخرّج أجيالا من الكفاءات التي أثبتت حضورها في مختلف القطاعات داخل الأردن وخارجه، وأن تحظى بمكانة أكاديمية مرموقة في العديد من التخصصات.
ويحسب للجامعات الأردنية أنها حافظت على استمرارية رسالتها التعليمية والبحثية، وأسهمت في خدمة المجتمع وإعداد رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية للوطن.
والتحدي اليوم هو المحافظة على هذا الإنجاز والبناء عليه والاستمرار في تطوير التعليم، فلا ينبغي الاكتفاء بما تحقق، وخصوصا أن التعليم يعيش اليوم مرحلة من التحول العالمي غير المسبوق، فرضته الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد القائم على المعرفة، مما جعل التغير المستمر ضروريا لمواكبة التغيرات في متطلبات سوق العمل.
ومن هنا اكتسب مشروع تعديل قانون الجامعات الأردنية أهمية خاصة، لأنه يتعلق بمستقبل التعليم العالي بأكمله. ومن الإنصاف القول إن القانون الحالي وضع إطارا واضحا لتنظيم الحوكمة الجامعية، وحدد الصلاحيات والمسؤوليات بين مجلس التعليم العالي، ومجالس الأمناء، ورؤساء الجامعات، ومجالس العمداء، بما يسهم في تنظيم العمل المؤسسي وتعزيز المساءلة.
ويرى بعض الأكاديميين أن مشروع القانون ركز بصورة كبيرة على إعادة تشكيل مجالس الأمناء وآليات تعيين القيادات، بينما لم يمنح الاهتمام الكافي لتطوير المناهج، وأساليب التدريس، والتقييم والتحول الرقمي، ومخرجات التعلم.
أن المتغيرات العالمية المتسارعة تفرض أن يتجاوز أي تعديل قانوني الجوانب الإدارية والتنظيمية، ليصبح أداة لتطوير العملية التعليمية نفسها.
فالجامعات اليوم لا تقاس بعدد مجالسها أو هياكلها التنظيمية، وإنما بجودة مخرجاتها، وقدرتها على إنتاج المعرفة، ومواكبة التكنولوجيا، وتأهيل خريجين يمتلكون مهارات عالية.
ومن خلال خبرتي الأكاديمية والعلمية، أستطيع القول أن الجودة في العمل الجامعي لا تصنعها النصوص القانونية وحدها، بل الثقافة المؤسسية التي تطبق بها هذه النصوص.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن القضايا التي تستحق اهتماما أكبر في مشروع القانون، الانتقال من تنظيم الإدارة إلى تطوير التعليم ذاته. فالقانون يمنح الجامعات صلاحية وضع البرامج والخطط الدراسية، لكنه لا يفرض مراجعتها بصورة دورية تضمن مواكبتها للتطورات العلمية واحتياجات سوق العمل.
وفي عصر تتغير فيه المعرفة بوتيرة متسارعة، ينبغي أن تصبح مراجعة المناهج عملية مستمرة، يشارك فيها الأكاديميون، وأرباب العمل، والخريجون، والقطاعات الإنتاجية، بما يضمن بقاء البرامج التعليمية مواكبة للتحولات العالمية والمحلية.
كما أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح جزءا من جودة التعليم الجامعي. ولذلك فإن أي قانون جديد ينبغي أن يتضمن نصوص واضحة تتعلق بوضع استراتيجيات للتحول الرقمي، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، وتطوير منصات التعلم الإلكتروني، ورقمنة الخدمات الجامعية، وتعزيز الأمن السيبراني، والاستفادة من تحليلات البيانات في تحسين الأداء الأكاديمي والإداري.
ولا يقل تطوير أساليب التقييم أهمية عن تحديث المناهج. فما تزال الاختبارات التقليدية تشكل الأداة الرئيسة في قياس تحصيل الطلبة، بل وتشكل غالبا ما قيمته 70% من إجمالي العلامات و30% للأنشطة، بينما تتجه الجامعات العالمية إلى منظومات تقييم معكوسة تعتمد على المشاريع التطبيقية، ودراسة الحالة، وملفات الإنجاز الإلكترونية، والبحث العلمي، والعمل الجماعي، وكتابة المقالات العلمية المتخصصة.
بما يقيس قدرة الطالب على فهم المعلومات ويعزز قدراته في التفكير والتحليل وحل المشكلات، وريادة الأعمال، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتواصل الفعال، والعمل ضمن فرق عمل مشتركة، كبديلا عن الامتحانات التقليدية.
ويحسب للقانون اهتمامه بدعم البحث العلمي من خلال تخصيص نسبة من موازنات الجامعات لهذا الغرض، وهي خطوة إيجابية تستحق الإشادة.
إن تطوير قانون الجامعات لا يعني نقد الواقع، وإنما هو دعوة إلى الإصلاح والتطوير والتحديث دون التقليل من الإنجازات.
ويبقى الرهان الحقيقي على الأكاديمي الذي ينتج المعرفة، وعلى المتعلم الذي يجب إعداده وتنمية مهاراته، اضافة إلى قدرة الجامعة على الموائمة بين الأصالة والتجديد.
فالقانون، مهما بلغت أهميته، يبقى إطارا منظما، أما النجاح الحقيقي فيتحقق عندما تتحول النصوص إلى ممارسات مؤسسية تعزز الجودة، وتكرس العدالة المهنية، وتطلق طاقات الإبداع والبحث العلمي، وعندها فقط تستطيع الجامعات الأردنية أن تواصل دورها الريادي، لا بوصفها مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل بوصفها مؤسسات تصنع المعرفة، وتقود التنمية البشرية، وتبني اقتصادا وطنيا قائما على الابتكار والمهارة والإنتاج.