في ذكرى "المملكة" و"بترا" .. الأردن يستحق حضورا إعلاميا مؤثرا
أ.د. خلف الطاهات
16-07-2026 12:51 PM
في مثل هذا اليوم، نستذكر محطتين وطنيتين مهمتين في تاريخ الإعلام الأردني؛ انطلاق قناة المملكة، وتأسيس وكالة الأنباء الأردنية (بترا). مناسبتان تستحقان الاحتفاء، ليس بالمؤسسات فحسب، وإنما بمئات من الصحفيين والإعلاميين الذين حملوا على عاتقهم، عبر عقود، مسؤولية نقل الحقيقة والدفاع عن صورة الأردن، والعمل في واحدة من أكثر المهن استنزافا وضغطا.
لكن الاحتفاء الحقيقي لا يكتمل إلا بالمراجعة. فليس من الوفاء للمهنة أن نكتفي بالتصفيق لإنجازاتها، بينما نتجاهل السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا تراجع تأثير الإعلام الأردني، رغم ما يمتلكه من كفاءات وخبرات ومؤسسات عريقة؟
المشكلة ليست في الصحفي الأردني. ولم تكن يوما في قدراته. فالصحفي الأردني أثبت، في الداخل والخارج، أنه قادر على المنافسة، وأنه يمتلك أدوات مهنية عالية، حتى إن كثيرا من المؤسسات الإعلامية العربية الكبرى -وهذا واقع نراه يوميا- قامت على أكتاف إعلاميين أردنيين. وإذا كان الإنسان هو رأس مال الإعلام، فإن الأردن لم يعانِ يوما من فقر في الكفاءات.
المشكلة الحقيقية تكمن في المنظومة. لدينا إعلام يشبه إنسانا يملك صوتا... لكنه مبحوح. يتحدث، لكن أثره لا يصل.
ينشر، لكن لا يصنع النقاش. يوثق، لكنه لا يقود الرواية. وباختصار شديد، فقد الإعلام الأردني جزءا كبيرا من قدرته على التأثير، هذا التاثير الذي احتفلنا به وقت جائحة كورونا حيث كان الاعلام الأردني مرجعا ومصدرا موثوقا لنا جميعا.
وهذه ليست مبالغة، بل حقيقة يثبتها الواقع كل يوم .فعندما يقع حدث كبير في الأردن، لا ينتظر الجمهور ما ستقوله المؤسسات الإعلامية، بل يتجه مباشرة إلى صفحات المؤثرين، أو البث المباشر، أو مجموعات واتساب، أو منصة "إكس"، أو "تيك توك"، ليبحث عن المعلومة، أو التفسير، أو حتى الشائعة.
لقد انتقل مركز الثقل الإعلامي. ولم يعد الخبر وحده هو السلعة. بل أصبحت القدرة على تشكيل النقاش العام هي القيمة الحقيقية. وهنا خسر الإعلام التقليدي جزءا كبيرا من معركته.
المفارقة أن الإعلام الأردني ما يزال ينتج محتوى مهنيا أفضل، وأكثر دقة، وأكثر التزاما بأخلاقيات المهنة ، لكن الجمهور لا يلتفت لكل ذلك اما هوة واسعة من الثقة.
لسنوات طويلة، كان الإعلام هو من يحدد أجندة النقاش الوطني. اليوم أصبح في كثير من الأحيان يلاحقها.
تبدأ القصة عند ناشط، ثم تتحول إلى ترند، ثم يشتعل النقاش، وبعد ساعات أو أيام تبدأ المؤسسات الإعلامية بتغطية ما أصبح أصلًا حديث الناس. ياللسخرية!!!! هنا لم يعد الإعلام صانعا للمشهد.بل أصبح أحد المتفرجين عليه.
الأخطر من ذلك، أن بعض المؤسسات ما زالت تعتقد أن ارتفاع عدد الأخبار المنشورة يعني حضورا إعلاميا.
بينما الحقيقة أن آلاف الأخبار التي لا يقرؤها أحد لا تصنع تأثيرا. يمكن لمؤثر واحد أن يغير اتجاه النقاش العام بفيديو مدته دقيقة. بينما قد تعجز عشرات الأخبار المهنية عن الوصول إلى الجمهور نفسه.
وهذا ليس انتصارا للمؤثرين بقدر ما هو خسارة للإعلام. كما أن جزءا من الأزمة يتمثل في غياب الجرأة التحريرية.
فالناس لا تبحث فقط عن الخبر، بل تبحث عن تفسيره، وربطه بالسياق، وتحليل أسبابه، واستشراف نتائجه.
أما الاكتفاء بنقل التصريحات والبيانات الرسمية، فهو لم يعد كافيا في زمن يستطيع فيه أي مواطن قراءة البيان من مصدره خلال ثواني. إذا كانت المؤسسة الإعلامية ستكرر ما هو منشور أصلا، فما القيمة المضافة التي تقدمها؟
السؤال الذي يجب أن يؤرقنا ليس: كم خبرا نشرنا اليوم؟ بل: كم فكرة صنعنا؟ كم نقاشا قدناه؟ كم معلومة صححنا؟ كم شائعة أوقفنا؟ كم متابعا غيّر رأيه لأن إعلاما مهنيا أقنعه بالحجة؟
التأثير لا يُقاس بعدد النشرات، بل بحجم الأثر.
ولا يعني هذا التقليل من شأن الشخصيات الرقمية ومنهم المؤثرين، فهم أصبحوا جزءا أصيلا من البيئة الإعلامية الجديدة، وبعضهم يقدم محتوى جادا يستحق الاحترام. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هؤلاء هم من يصوغ المشهد العام، بينما يتراجع الإعلام المهني إلى دور المعلق على ما ينتجه الآخرون.
ولعل أخطر ما يواجه الإعلام الأردني اليوم هو أن معركة الثقة لم تعد تُحسم بالشعار، ولا بتاريخ المؤسسة، ولا باسمها، بل بما تقدمه كل يوم. الثقة تُبنى بالمصداقية، والسرعة، والشفافية، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، والاقتراب من الناس، لا الاكتفاء بالحديث إليهم.
في ذكرى "بترا" و"المملكة"، لا نحتاج إلى الاحتفال بالماضي فقط، بل إلى التفكير بشجاعة في المستقبل.
فنحن لا نفتقد الكفاءات، ولا نفتقد المهنية، ولا نفتقد الانتماء. لدينا صحفيون يحرسون الكلمة، ويذودون عن صورة الأردن، ويؤمنون بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة.
لكن هؤلاء يستحقون منظومة أكثر قدرة على منحهم أدوات التأثير، ومساحة المبادرة، وحرية الابتكار، وسرعة الحركة.
فالأردن لا يحتاج إعلاما أكثر عددا. ولا أكثر ضجيجا. بل يحتاج إعلاما أكثر تأثيرا. إعلاما يستعيد مكانه الطبيعي في قيادة الوعي العام، وصناعة النقاش الوطني، والدفاع عن الوطن بالحقيقة، لا بردود الفعل.
فالوطن الذي يملك كل هذه الكفاءات الإعلامية، يستحق أن يكون صوته واضحا...لا مبحوحا.