ترامب .. بين فضيلة صنع السلام وسوء مواصلة القتال
حسين بني هاني
16-07-2026 03:08 PM
زعيمٌ ، يصعب معرفة ردة فعله ، كما يصعب عليه التمسّك طويلا بأقواله أيضاً ، بشكلٍ يصيب عقل المتابعين له بالدوار . إجتماعه مع الرئيس الاوكراني في انقره مؤخراً ، كان ودياً للغاية ، رغم أن مثيله السابق في البيت الأبيض كان عنيفاً وصدامياً .
ذاك هو الرئيس ترامب ، يحار المرء فى تفهّم سبب تغيير مواقفه بهذه السرعة الكبيرة ، يعشق المناكفة السياسية ، وبقاء الناس في حيرة من أمرهم ، رغم ما يبعثه ذلك من رسائل غامضة للطرف الآخر .
الخشية منه تكمن في أن تؤخذ تصريحاته في غير مقاصدها ، خاصة في ظل الوضع المتوتر القائم في الخليج ، حيث يتواصل فيه شدَّ الحبال المربوطة بين الطرفين ، رغم حرصهما المشترك أن لا يتمزّق أي خيط من خيوطها بشكل كامل ، وغدت المواجهة بينه وبين قادة طهران ، محصورة بين أفضلية الحفاظ على إتفاق سيء ، أو اللجوء إلى حربٍ مكلفة ، خاصة بعد أن أكتشف أنّ مضيق هرمز ، أضحى قنبلة إقتصادية موقوتة وبالغة الخطورة ، أثرها يكاد يشطر العلاقات بين الدول ، ويلقي بظلال قاتمة على الدول المستهلكة للنفط ، واصبحت الحرب بموجبها ، كما يقول وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي ، بمثابة كارثة لم تحقق أياً من أهدافها ، بعد أن غدت الأخطار التي تهدد أمن المنطقة ، تأتي من خارج الخليج ، في إشارة لواشنطن وتل أبيب ، داعيا لضبط العلاقات مع الولايات المتحدة ، بحيث تصبح أكثر إتساقاً مع الواقع الاستراتيجي ، الذي كشفت عنه مجريات الحرب مؤخراً .
يهدد ترامب مثلا بإستيفاء رسوم على المرور في مضيق هرمز ، ثم يتراجع عنه على الفور ، قبل أن يجفّ حِبْرُ الكلمات ، مما جعل المضيق في هذا الصراع مثل كعب أخيل ، وأصبح ما تقوم به ايران عسكرياً في المضيق ، وسيلة ومفتاحاً للهيمنة ، تعيد فيه طهران الضغط على دول الجوار ، فيما تريد واشنطن أن يكون وسيلة لمنع ايران من الاستحواذ على هذا الممر الاستراتيجي ، باعتباره شريان الطاقة الأهم في العالم ، الأمر الذي كشف عن مكاسرة تعكس في ثناياها صراع الإرادات .
تبددت كلٌ مؤشرات التفاؤل بعد تهديدات ترامب الأخيرة ، مما جعل مذكرة التفاهم بين الطرفين في مهب الريح ، وعكست حالة من الافتراق بين الطرفين ، بل غدا الانتظار فيها بنظر ترامب مضيعة للوقت ، نفذ بها صبره ودلّ على هشاشة بنود الاتفاق المبرم بين البلدين ، في وقت بات يدرك فيه الأخير ، وجود ثنائية سياسية في إيران ، تتبادل الأدوار وتلعب معه لعبة غامضة ، يقود أحدها المعتدلين مثل الرئيس الايراني ومعه عراقجي ، والثانية متشددة يقودها الحرس الثوري .
ترامب سئم هذه اللعبة ، ويريد تحميل وزر الصدام في الخليج ، على مستهلكي النفط في العالم بعد إيران ، كونهم يرفضون التعاون معه لتأمين الملاحة في الخليج ، مما ينذر باشتعال حرب استنزاف بالنسبة للحرس الثوري ، للسيطرة على المضيق ، فيما هي بالنسبة لواشنطن بمثابة تحدٍ ، بعدم السماح لقادة هذا الحرس بادعاء النصر في هذه الحرب مهما كلّف ترامب من تضحيات .
ترامب الذي أفترض أن يكفل استعراضه للقوة العسكرية ، رضوخ الآخرين طوعاً أو كرهاً لإرادته ، تفاجأ بوجود خصم عنيد لايلقي بالاً لكلّ تهديداته ، واكتشف أن ما وقّع عليه مع طهران ، لم يكن مذكرة للتفاهم وإنما لسوء الفهم ، وأن قادة إيران غير مستعدين للتملّق والتودد إليه ، كما تعوّد أن تفعل معه بعض الدول الخائفة ، وأكتشف أنّ أدوات قوّته لا تجدي نفعاً مع ملالي طهران ، وأنّه لا يستطيع معهم الإدعاء بأنه أقوى رجل في العالم ، وإقناعهم بأنّ بيتهم الداخلي أوهن من بيت العنكبوت .
هذا الأمر جعل ترامب كثير التردد ، يواجه خصماً شرسا ، لم يعد لديه ما يخسره ، بينما يعرف الأخير أن لدى ترامب الكثير مما يمكن أن يخسره في الانتخابات المقبلة ، إذ لم يعد كلامه المتواصل عن إيران يمنحه النفوذ ، بقدر ما يكشف عن ضعف موقفه في نظر طهران والعالم أيضا ، فهو كما يبدو لا يكثر ارتكاب الأخطاء فقط ، ولكنه يواصل تكرار نفس الأخطاء .
يدرك ترامب أن صوت المتشددين في إيران لازال عاليا ، هذا وحده منع المتفائلين في إدارته ، من بناء جسرٍ ذهبي معهم نحو المستقبل ، بعد أن تبينّ لهم ، أن كلٌ محاولات ترامب لإغلاق هذا الملف لم تجدي معهم نفعاً ، أولئك الذين لازالوا يصرّون على وضع عقدة المنشار في ملف ترامب.