facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأمن أولًا .. تموز وذاكرة الدولة في زمن التحولات الإقليمية


م. بسام ابو النصر
16-07-2026 03:43 PM

ليس شهر تموز في الذاكرة الأردنية مجرد محطة من محطات الصيف، بل هو شهر تختزن صفحاته محطات وطنية أسهمت في تشكيل هوية الدولة الأردنية، ورسخت معاني الصمود والبناء، وجعلت من الأردن نموذجًا للاستقرار في منطقة عانت، وما تزال، من الاضطرابات والصراعات.

ففي تموز من عام 1918، كانت أرض الأردن مسرحًا لعمليات الثورة العربية الكبرى التي مهّدت لتحرير المنطقة من الحكم العثماني، وأسست لولادة المشروع العربي الحديث الذي كان الأردن أحد أهم ثماره. وعلى هذه الأرض كُتبت صفحات من البطولة، كان عنوانها بناء المستقبل قبل بناء الدولة.

وفي العشرين من تموز عام 1951، ارتقى الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين شهيدًا على أبواب المسجد الأقصى، وهو يحمل رسالة الدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية، في لحظة جسدت ارتباط الأردن التاريخي بالمقدسات الإسلامية والمسيحية، ورسخت أن الدفاع عن المبادئ قد يكون ثمنه أغلى ما يملك الإنسان.

وعلى امتداد العقود التالية، ظل تموز شاهدًا على محطات سياسية ووطنية عديدة، كان عنوانها الدائم حماية الدولة وتعزيز مؤسساتها، في وقت كانت فيه المنطقة تدخل تباعًا في دوامات الانقلابات والحروب والنزاعات الداخلية.

وعندما نتأمل المشهد العربي اليوم، نستحضر بكل التقدير والاحترام ما مرت به دول شقيقة من صراعات داخلية أو اعتداءات وتهديدات خارجية، سائلين الله أن يحفظها جميعًا، وأن يعيد إليها الأمن والاستقرار. فالمصير العربي واحد، وما يصيب أي قطر عربي يترك أثره في محيطه كله.

وفي خضم هذه التحولات، بقي الأردن واحة استقرار بفضل مؤسسات الدولة، ووعي قيادته، ويقظة أجهزته الأمنية، وتماسك مجتمعه، وإيمان الأردنيين بأن الأمن ليس أمرًا يمكن التساهل فيه، بل هو أساس قيام الدولة واستمرارها.

لقد أثبتت التجارب أن الأمن ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة تُبنى عبر عقود، وأن كلفة المحافظة عليه، مهما بدت كبيرة، تبقى أقل بكثير من كلفة فقدانه. فالدول التي عصفت بها الحروب لم تخسر اقتصادها فحسب، بل خسرت الإنسان، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والثقة، واضطر ملايين من أبنائها إلى النزوح أو الهجرة، بينما احتاجت سنوات طويلة لتعيد بناء ما هدمته أشهر قليلة من الفوضى.

ومن هنا، فإن الحديث عن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن ينفصل عن الأمن. فلا استثمار دون استقرار، ولا سياحة دون أمان، ولا تعليم منتجًا، ولا صناعة أو تجارة مزدهرتين في بيئة يسودها الخوف وعدم اليقين. بل إن رأس المال، قبل أن يبحث عن الحوافز، يبحث عن الطمأنينة، ويختار البيئة التي تحمي الإنسان والقانون والمؤسسات.

بل إن الأمن يتجاوز البعد الاقتصادي إلى البعد الإنساني؛ فهو الذي يحفظ الأسرة، ويضمن استمرار التعليم، ويحمي حق الإنسان في العمل، ويمنحه القدرة على التخطيط لمستقبله بثقة. وما من رقم اقتصادي يمكن أن يعوّض طفلًا حُرم من مدرسته، أو أسرة فقدت أمنها، أو مجتمعًا تمزقت أواصره بسبب الصراع.

لقد كان الأردن، رغم محدودية موارده، كبيرًا بثوابته، قادرًا على تجاوز الأزمات الإقليمية، واستقبال موجات اللجوء، والوفاء بالتزاماته الإنسانية، دون أن يفقد توازنه أو مؤسساته أو هويته الوطنية. وهذه ليست معادلة سهلة في منطقة شديدة التقلب.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه ذكريات تموز أنها تذكرنا بأن بناء الدولة لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالسهولة، بل كان ثمرة تضحيات متراكمة، ورؤية سياسية، وإيمان بأن الدولة القوية تبدأ من أمنها، ومن ثقة مواطنيها بها، ومن قدرتها على صون كرامة الإنسان وسيادة القانون.

وحين نستعيد هذه المحطات، فإننا لا نستحضر التاريخ من باب الحنين، بل من باب الوعي. فالاستقرار الذي ينعم به الأردن اليوم ليس صدفة، وإنما هو إنجاز وطني يستحق المحافظة عليه، لأنه القاعدة التي تقوم عليها التنمية، والركيزة التي تُبنى عليها كل الإنجازات الأخرى.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وحفظ أوطاننا العربية جميعًا، وأدام عليها نعمة الأمن، فهي النعمة التي إذا حضرت ازدهرت الحياة، وإذا غابت، أصبحت كل المكاسب الأخرى أقل شأنًا أمام الحاجة الأولى للإنسان... أن يعيش آمنًا في وطنه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :