العين السحرية .. ليست أداة للإدارة
أ. د. عادل الهاشم
17-07-2026 03:07 PM
العين السحرية في باب المنزل اختراع بسيط وذكي صُمم ليُستخدم عند الحاجة ويمنح صاحب المنزل قدرًا من الاطمئنان قبل اتخاذ قرار فتح الباب أو إبقائه مغلقًا. غير أن هذه الأداة لا تحقق الغاية التي وُجدت من أجلها إذا أصبحت وسيلة للنظر من خلالها طوال الوقت، لأن المشهد الذي يُرى من ثقب صغير لا يعكس الصورة الكاملة والحقيقية، وينطبق هذا التشبيه على الإدارة في المؤسسات أيضًا، فالرقابة في الفكر الإداري الحديث وُجدت لحماية العمل وتعزيز جودة الأداء، ولم تُصمم لتصبح غاية مستقلة عن الأهداف التي تسعى المؤسسة إلى تحقيقها.
وتشير الأدبيات الإدارية إلى أن الرقابة تكون أكثر فاعلية عندما تُمارس ضمن منظومة متكاملة من التخطيط والتنظيم والتوجيه والتقويم، لأن التركيز على الجزئيات وحدها قد يحجب الرؤية عن القضايا الأكثر تأثيرًا في جودة الأداء، فالمؤسسات لا تُقاس بنجاحها في رصد التفاصيل اليومية بقدر ما تُقاس بقدرتها على تحقيق النتائج ومعالجة أسباب التحديات قبل تكرارها. ولهذا فإن الإدارة الحديثة لا تنطلق من سؤال: من أخطأ؟ بقدر ما تنطلق من سؤال آخر أكثر أهمية: ما الذي يمكن تطويره حتى لا يتكرر الخطأ؟
ومن هذا المنطلق تميز مدارس الإدارة بين الرقابة بوصفها وظيفة إدارية أصيلة، وبين الإفراط في متابعة التفاصيل على حساب تحليل العمليات وتطويرها. فالرقابة تحقق قيمتها عندما تدعم اتخاذ القرار، بينما تفقد جزءًا من فاعليتها إذا انحصرت في متابعة الجزئيات دون النظر إلى السياق العام.
ولهذا تبنت العديد من المؤسسات الرائدة منهجيات مثل الإدارة الرشيقة (Lean Management) وإدارة الجودة الشاملة (TQM)، حيث يُنظر إلى الخطأ باعتباره فرصة لتحسين الإجراءات وتطوير العمليات، وليس مجرد مناسبة لتحديد المسؤولية الفردية. كما عززت هذه المؤسسات مفهوم السلامة النفسية في بيئة العمل، بما يسمح بطرح المشكلات والإبلاغ عنها في إطار من المسؤولية والثقة، لأن معالجة الخلل في مراحله الأولى أقل كلفة من التعامل مع آثاره بعد اتساعها. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ المساءلة، بل يؤكد أهميته، لأن المساءلة الرشيدة تقوم على معايير واضحة وإجراءات معلنة وتطبيق عادل ومتسق. وعندما تتوافر هذه العناصر تصبح الرقابة أداة لتعزيز الثقة وتحسين الأداء وليس لتحقيق أهداف خارجة عن رؤية المؤسسة.
ومع التحول الرقمي أصبحت الرقابة أكثر ارتباطًا بمؤشرات الأداء وتحليل البيانات والتغذية الراجعة المستمرة، وهو ما يساعد على اكتشاف الأنماط ومعالجة أسباب القصور بطريقة موضوعية تستند إلى الأدلة، بدل الاعتماد على الانطباعات أو الملاحظات المنفردة.
وفي النهاية تبقى العين السحرية وسيلة نافعة عندما تؤدي وظيفتها الطبيعية، لكنها تذكرنا بحقيقة إدارية مهمة، وهي أن زاوية الرؤية المحدودة لا تكفي لبناء قرارات متوازنة. فالمؤسسات تتقدم عندما تتسع الرؤية لتشمل الإنسان والإجراءات والنتائج معًا، وعندما تصبح الرقابة وسيلة للتطوير المستمر في إطار من العدالة والشفافية والحوكمة الرشيدة.