من اجل اردن يشبهنا
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
10-07-2026 03:56 PM
بناء مجتمع سليم يحتاج تغيير عقلية المجتمع و هذه عملية تحتاج تفكيك العقد الثقافية و وضعها في اطار اخلاقي سليم ينبذ التعصب الأعمى و الذي برأيي اسوأ صفة للفرد و المجتمع سواءا كان تعصبا دينيا او عرقيا او عشائريا او طائفيا او طبقيا فهو في جوهرة شعور بالاستعلاء و العجرفة و الغاء للآخر و وصمه بالنقيض.
الدولة الوطنية تحتاج مرجعية ثقافية تنظم العلاقة بين المجتمع و السلطة و هذه المرجعية تنحصر بنموذجين الايدولوجيا أو العقل (الافكار). هنالك نموذج ثالث يطرح وهو مرجعية اقتصادية قائمة على الرفاه الاقتصادي و لكن ذلك النموذج ما زال حديث العهد و يحتاج لموارد اقتصادية ثرية.
الايدولوجيا سواء دينية او قومية او نضالية او غيرها تحمل بذور فنائها لانها نموذج جامد يبسط الواقع لثنائية معنا و ضدنا و تقدم نموذج نمطي يخاطب العواطف لجمع الاتباع و بما انه نمطي جامد فهو يساعد على الاستقرار المؤقت لكن لا يتقبل النقد و التقييم و الافكار المخالفة لذلك ليحافظ على الاتباع يحتاج اقتصاد الغنيمة الريعي اي انه يقدم رشوة للاتباع ثقافية بالايديولوجيا و اقتصادية بالريعية. يتبع ذلك ان يصبح الفرد و المجتمع و حتى الدولة الوطنية في خدمة الايديولوجيا بالتالي هو هوية عابرة للحدود لا تعتبر وطنية حتى لو ادعت ذلك. استمرار هذا النموذج قائم على المحافظة على الاتباع من خلال التغذية الايدلوجية منذ النشأه و تحمل الكلف المالية. هذا النموذج موجود في الشرق الاوسط و حاليا نجد صعوده في امريكا حيث ان الشعبوية هي الوجه الآخر للايديولوجيا.
يقابل ذلك النموذج العقلي القائم على الافكار و بالتالي اقتصاد انتاجي. تم تطوير هذا النموذج في الغرب فكانت الديموقراطية هي العقل الجمعي و لتجنب تغول الاغلبية ظهرت الليبرالية لحماية الافراد و الاقليات و الحريات و نتج عن ذلك تحكم الاقلية بالاغلبية و بالتالي ما زال هذا النموذج في طور التطور لايجاد موازنة ما.
في المقال السابق تحدثت عن علاقة الاسلام السياسي بالدولة الوطنية و نستكمل الاسئلة الفكرية الثقافية الخاصة بالعلاقة بين الايديولوجيا عموما و الدولة و ما يهمنا بالاردن هي علاقة التدين السياسي و القومية و ما سمي بطرح المقاومة و النضال و علاقتها بالدولة.
الايديولوجيا باشكالها هي نموذج مبسط للواقع يقوم على ثنائية الاستقطاب معنا او ضدنا اي صالح طالح، رجعي تقدمي، عميل شريف و بالتالي هو موجه لمخاطبة العواطف الشعبية. مع الوقت تصبح الايديولوجيا لها اتباع و يسدل عليها القداسة فتصبح محصنة من النقد و التقييم و المحاسبة.
كما ذكرت في المقال السابق ان لا تعارض للدولة مع الدين و الايديولوجيا كثقافة مجتمعية و كمؤثر او مصدر تشريعي و كمرجعية قيمية اخلاقية. ان درسنا الحالة الاردنية نجد ان الدين و الشعور القومي و الايمان بعدالة القضايا مثل القضية الفلسطينية هو جزء من الحياة اليومية للمجتمع ككل و هي مرجعية قيمية موجودة في المجتمع و الادارة و مقبولة حيث الضمير و الحلال و الحرام هو ثقافة مهمة لمنع الفساد.
الاشكالية الحقيقية في الاردن و غير الاردن ان تتحول الايديولوجيا الى سلطة سياسية فهي اكتسبت قدسية و سيحكم رجالها بالحق الإلاهي او القومي او النضالي دون محاسبة او تقييم. كما ان الايديولوجيا هي اطياف فتجد التفسير و الرؤية الدينية او القومية او النضالية فيها تيارات مختلفة كل يحتكر الحقيقة و لا يقبل الآخر بالتالي فحكم الايديولوجيا هو صراع مستمر.