هل تكشف أرقام النمو حقيقة الاقتصاد الرقمي؟
د. حمد الكساسبة
17-07-2026 04:20 PM
نقيس أداء الاقتصاد عادةً من خلال الناتج المحلي الإجمالي، أي قيمة السلع والخدمات التي تُنتج داخل الدولة خلال سنة. ومن خلال هذا الرقم نعرف إن كان الاقتصاد ينمو أو يتراجع، ونقارن أداءه بالسنوات السابقة وباقتصادات الدول الأخرى. لكن اتساع الإنترنت والمنصات والخدمات الرقمية يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما تزال أرقام النمو تعكس كل القيمة التي ينتجها الاقتصاد الحديث؟
تبدأ المشكلة من أن جانبًا كبيرًا من حياتنا الرقمية لا يمر بسعر واضح. فنحن نستخدم الخرائط ومحركات البحث والبريد الإلكتروني ومواقع التواصل والمحتوى التعليمي، ونحصل منها على منافع كبيرة من دون أن ندفع مقابلًا مباشرًا. وقد تظهر إيرادات الإعلانات والاشتراكات في الحسابات الاقتصادية، لكن الوقت الذي توفره هذه الخدمات والمنفعة التي تمنحها للمستخدم لا يظهران كاملين في الناتج.
وليست هذه أول مرة تواجه فيها الحسابات القومية قيمةً لا تمر بالسوق. فالعمل المنزلي غير المدفوع، مثل رعاية الأطفال وإعداد الطعام، تُقدَّر قيمته أحيانًا في حسابات مكمّلة، لكنه لا يُضاف عادةً إلى الناتج الرسمي، بينما تُقدَّر قيمة ما ينتجه المزارع ويستهلكه من مزرعته وتُدرج في الحسابات. والاقتصاد الرقمي يقع بين الحالتين؛ فجزء منه مسجل بالفعل، بينما تبقى خدمات ومنافع وأنشطة أخرى خارج القياس الكامل.
فمبيعات الأجهزة والبرمجيات والاشتراكات والإعلانات والتجارة الإلكترونية تدخل في الناتج، لكن الأرقام لا تقيس دائمًا ما وفرته الرقمنة من وقت وكلفة. فعندما ينجز المواطن معاملته الحكومية من هاتفه، أو يجري العميل معاملته المصرفية من دون زيارة الفرع، تصبح الخدمة أسرع وأقل كلفة، لكن هذا التحسن قد لا يظهر في الناتج، بل قد يؤدي أحيانًا إلى انخفاض الإنفاق المسجل.
وتختلف المنتجات الرقمية كذلك عن السلع التقليدية؛ فالبرنامج أو الكتاب الإلكتروني أو المقطع التعليمي يمكن أن يصل إلى ملايين المستخدمين بكلفة إضافية محدودة. كما جمع الهاتف الذكي في جهاز واحد الكاميرا والخريطة والمذياع والحاسوب وأدوات أخرى. ولذلك قد تتحسن الجودة والمنفعة بصورة كبيرة، بينما تبقى الأسعار ثابتة أو تنخفض، فلا تعكس أرقام النمو كامل التطور الذي حدث.
ونتيجةً لذلك، قد يتقدم اقتصاد دولة رقميًا من دون أن يظهر هذا التقدم كاملًا في الناتج. فقد ترتفع إنتاجية العامل، وتنخفض كلفة المعاملات، وتتحسن الخدمات، بينما تبقى الزيادة المسجلة محدودة. وفي المقابل، قد ترتفع أرباح عدد قليل من الشركات الرقمية، فيظهر نمو في الأرقام، من دون أن تصل مكاسبه إلى أغلبية الناس أو تتوزع بين المناطق والقطاعات بصورة عادلة.
كما يختلف الأثر بين دولة تنتج التكنولوجيا ودولة تكتفي باستخدامها. فالدولة التي تطور البرمجيات والمنصات وتصدر الخدمات الرقمية تحصل على وظائف وأجور وصادرات وضرائب، بينما تستفيد الدولة المستهلكة من سهولة الاستخدام، لكن جزءًا كبيرًا من المدفوعات والأرباح يذهب إلى الخارج. لذلك لا يكفي قياس حجم الاستخدام، بل يجب معرفة مقدار القيمة التي تُنتج محليًا وكيف تتوزع عوائدها.
ولهذا طورت دول مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة مؤشرات إضافية إلى جانب الناتج المحلي، لقياس التجارة الإلكترونية، والخدمات المقدمة عبر الإنترنت، والوظائف الرقمية، وصادرات البرمجيات. ولا يعني تحسين القياس أن الاقتصاد حقق نموًا جديدًا بمجرد تعديل الأرقام؛ فقد يكشف نشاطًا كان موجودًا وغير مسجل. أما النمو الحقيقي فيحدث عندما يزداد الإنتاج الرقمي وترتفع الصادرات والإنتاجية والدخول.
أما في الأردن، فما تزال مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج محدودة، لذلك لن يؤدي تحسين قياسه وحده إلى رفع كبير وفوري في معدل النمو. لكن أهميته تتزايد مع سرعة توسعه، ومع دوره في خفض الكلفة ورفع إنتاجية القطاعات الأخرى. لذلك لا يكفي زيادة التطبيقات أو مستخدمي الإنترنت، بل يجب قياس ما ينتجه الأردنيون من خدمات رقمية، وما يحققه العمل عبر الإنترنت من دخل، وما تصدره الشركات إلى الخارج. فمساهمة القطاع محدودة اليوم، لكنها مرشحة لأن تصبح أحد مصادر النمو المستقبلية.