جماليات الخطاب السياسي: لغة الدولة التي تبني الثقة
د. حنان خلوف
18-07-2026 11:58 AM
كَثيرا ما نَتحدث عن قُوّة الدَّولة فنَذهب مباشرة إلى الاقتصاد والجَيش والمُؤسسات. ونَنسى أن للدَّولة لِسانا. وهذا اللِّسان هو الخِطاب السّياسي.
الخِطاب السّياسي في مُؤسسات الدَّولة ليس مَجموعة بَيانات تُكتب وتُنسى. هو وَجْه الدَّولة الحقيقي، وصَوتها المسموع، وجِسر الثِّقة بَينها وبَين الشعب.
فكما أن الحَوْكَمة مسؤولية الدولة، والحِكْمة مسؤولية كل فرد فيها، فإن للخِطاب الصادر عن المؤسسة السياسية جَماليات. إما أن تَرفعه فيَصبح سَببا في الالتِفاف حولها، أو تُضعفه فيَصبح سَببا في الفَجوة بينها وبين الشعب.
المُواطن لا يَطلب المُستحيل. مطلبه أن يَفهم. الخِطاب السياسي الموجه له الحامل بين طياته الصدق والوضوح والشفافية ولا غرائبية فيه، والقائل بكل وُضوح: "هذه مشاكلنا، وهذه هي الحلول، وهذا مَوعِد التطبيق".
وتعميق أواصر الثقة بين المؤسسة السياسية والمواطن لا يتحقق إلا بالصِّدق حتى في الاعتِراف بالتَّحديات، والمعيقات. وبذلك نبني ثِقة لا تتزعزع بين الشعب ورجال الدولة. الشَّفافية ليست ضَعفا بل هي القوة الكامنة في يَد رجل المؤسسة السياسية.
الخِطاب السّياسي الذي لغته القانون وَحده يَكون جَافا لا حياة تبعث الأمل فيه لدى المواطن، والخِطاب الذي لغته العاطِفة وحدها يكون ضَعيفا. نحن نحتاج في زمن الرقمنة إلى خطاب متوازن يجمع اللغة الجافة، ولغة العاطفة بوسطية واعتدال دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
وعند استعمال لغة الخطاب السياسي الدامج للعاطفة والقانون، عندها يشعر الجميع بإنعكاس جَماليات الخِطاب السّياسي على أرض الواقع. عندئذ يصرخ الجميع: "نُريد تطبيق قانون دولة تشعر بظَّروف مواطنيها".
القانون الذي يَجمع بَين هَيبة المُؤسسة السياسية بسيادة القانون، ودِفء المشاعر بين الوطن والمواطن.
وبذلك يَتحول القَرار السّياسي من أمْر إداري صامت إلى أواصر محبة بَين الدَّولة والمُواطن، ونحن اليوم في أمس الحاجة لذلك في زَمن سرعة انتشار الشَّائعة التي تَصل في ثانية لكل مواطن في كل مكان، وفي زَمن الخوف والقَلق من انتشار أي شائعة، تأتي كَلِمة المَسؤول الصريحة والواضحة لتكون علاجا لمرض الشائعة، ومضادا حيويا فتاكا بها.
وتتجلى جَماليات الشعور بالأمن والاطمئنان عند المواطنين عندما يقول رجل المؤسسة السياسية: "الدَّولة تَرى، والدَّولة تَعرف، والدَّولة قادِرة" دون استعمال لصيغ المبالغة، والبعد عن رسم صورة الواقع على حقيقته لا أكثر.
الخطاب السّياسي المُحتِرم عَقل المُواطن ، هو أولى خطوات الوصول لفكره وقلبه يعمق انتماء المواطن للمؤسسة السياسية بجميع جوارحه، وعندما يصدر الخطاب الذي يَشرح له "لِماذا"،" قمنا وعملنا" هو أبلَغ من الخِطاب الذي يَأمر "بماذا".
حين تُصدر المؤسسة السياسية خطابها: "نَسمعكم، ونَفهمكم، ونَعمل مَعكم. نُحيطكم علما" فإنها لا تَتنازل عن هَيبتها ومكانتها، بل تزداد قربا واحتِراما من مواطنيها.
رجل المؤسسة المتمرس يعي يقينا إن الخِطاب السّياسي النَّاجح لا يَعيش ليَومه فقط ، وإنما يُخلد صاحبه أزمانا. فيربط أي قَرار بهذه الرُؤية. ويَقول: "هذه الخُطوة ضِمن رُؤية التَّحديث الاقتصادي، وتلك ضمن رؤية تحديث التعليم، وأخرى لتحديث الجانب الاجتماعي" وغيرها.
ويربط كل تحديث برؤى وتوجيهات جَلالة المَلك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله وولي عهده. وبتظافر سَواعد أبناء الوَطن والرؤى الهاشمية ورجل المؤسسة السياسية تتعمق جذور الإنتماء للوطن، ويَشعر المُواطن أنَّه عضو من أعضاء جسم الدولة الأردنية، وإن مشروعه هذا لليوم وغدا والمستقبل.
الدُّول ياسادة لا تُبنى بالحِجارة والطوب، تُبنى بالفكر والكَلمة. والكَلمة الصادقة والإنتماء لمُؤسسات الدَّولة،الخطاب السّياسي الصادق والواضح المعالم والقابل للتنفيذ أمَانة في عنق كل مسؤول.
تذكر أيها المسؤول في المؤسسة السياسية إن الخِطاب الضَّعيف يَعمق الفَجوة بينك وبين المواطن حتى وإن كان قَرارك صائبا. والخِطاب القوي يعكس فكركم، ويصنع فرقا في الإلتِفاف حولكم، وإن كان قراركم صَعبا غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع.
وبَين الخطاب الذي يعزف على وتر العاطفة والرحمة ويحرك القَلب، والخطاب الذي يُحكم العَقل والمنطق يولد خِطاب سّياسي يَليق بالدَّولة الأُردنية بقيادة صاحب الجلالة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله.