حكمت العزة .. حين تغدو القصيدة وطنًا للذاكرة ورسالةً للحياة
سارة طالب السهيل
18-07-2026 12:42 PM
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة حتى تكاد تبتلع تفاصيلها الجميلة، يظل الشعر الفنَّ القادر على إنقاذ الذاكرة من النسيان، وإعادة الإنسان إلى جذوره الأولى. فبين زحام الأيام، وضجيج المدن، وسرعة الإيقاع الذي فرضته الحياة الحديثة، يبقى الشعر مساحةً آمنة يلجأ إليها الإنسان حين يبحث عن ذاته، أو يفتقد دفء الماضي، أو يشعر أن العالم من حوله أصبح أكثر قسوة وأقل إصغاءً.
ومن بين الأصوات الشعرية الأردنية التي استطاعت أن تحافظ على أصالة القصيدة العربية، مع انفتاحها على هموم الإنسان المعاصر، تبرز الشاعرة حكمت محمد العزة؛ الشاعرة والكاتبة والتربوية، وعضو اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، التي قدمت عبر دواوينها الشعرية وأعمالها الأدبية تجربة إنسانية تجمع بين الحس الوطني، والوجدان الصادق، والالتزام بالقيم الأخلاقية والجمالية.
فمنذ ديوانها «أوراق على شاطئ الورد» الصادر عام 2015، مرورًا بـ «مواكب الروح» عام 2016، وصولًا إلى ديوانها «سنابل» الصادر عام 2024، ظل صوتها الشعري منحازًا للإنسان والوطن والذاكرة، كما امتدت تجربتها إلى الرواية والقصة والمسرح التعليمي، وكان من أبرز أعمالها رواية «مريم» التي تناولت معاناة التهجير القسري للشعب الفلسطيني، إضافة إلى مشاركاتها المتعددة في مهرجان جرش والأمسيات والملتقيات الأدبية داخل الأردن وخارجه.
ولعل قصيدتها «مواويل» تمثل واحدة من أكثر النصوص قدرة على التعبير عن ملامح مشروعها الشعري؛ فهي ليست قصيدة حنين بالمعنى التقليدي، ولا مجرد وقوف على أطلال الماضي، وإنما رحلة وجدانية تعيد اكتشاف الإنسان من خلال ذاكرته، وتستعيد القيم التي صنعت المجتمعات قبل أن تصنعها المدن الحديثة.
ليست كل قصائد الحنين متشابهة، فثمة نصوص تستدعي الماضي لمجرد البكاء عليه، وثمة نصوص أخرى تجعل من الذاكرة وسيلة لفهم الحاضر وإعادة اكتشاف الإنسان. ومن هذا النوع تأتي «مواويل»، التي لا تكتب عن زمن مضى بقدر ما تكتب عن منظومة كاملة من القيم بدأت تتوارى أمام إيقاع الحياة الحديثة.
تبدأ القصيدة بنداء متكرر:
“خذني إلى الليل بل دعني أصاحبه
خذني إلى النجم في ليلي أخاطبه.”
ومنذ هذين البيتين تضعنا الشاعرة أمام رغبة عارمة في الرحيل، لكنها لا تهرب من الواقع إلى المجهول، وإنما إلى فضاء روحي يتسع للتأمل، وللشعر، وللنجوم، وللصمت الجميل الذي افتقده الإنسان في زمن الضجيج.
فالليل عند حكمت العزة ليس ظلامًا، بل مساحة للتأمل، والنجم ليس عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل رمز للهداية والأمل، وكأن الشاعرة تبحث عن حوار مع ذاتها بعيدًا عن صخب العالم، وعن عالم لا تزال فيه الكلمة قادرة على أن تضيء القلب.
ثم يتحول هذا الحنين سريعًا إلى سؤال ثقافي عميق حين تقول:
“أين القصيد وليلى حين تسكبه.”
إنها تستحضر “ليلى” بما تحمله من دلالات الحب، والوفاء، والشعر العربي الأصيل، وكأنها لا ترثي غياب شخص، بل ترثي زمنًا كانت فيه القصيدة جزءًا من حياة الناس، وكانت الكلمة تملك سلطة الجمال والدهشة، وكان الشعر مرآةً للروح لا مجرد نص يُقرأ ثم يُنسى.
ومن هنا يبدأ النص في التحول من حنين شخصي إلى حنين حضاري، يبحث عن الإنسان قبل أن يبحث عن المكان.
غير أن أجمل ما في «مواويل» أنها لا تقف عند حدود الحنين المجرد، وإنما ترسم لوحة متكاملة للحياة الأردنية والفلسطينية والعربية القديمة بكل تفاصيلها الإنسانية، حتى يشعر القارئ أنه لا يقرأ قصيدة، بل يشاهد فيلمًا حيًا تتحرك مشاهده أمامه.
تقول الشاعرة:
“خذني هناك إلى أيام جدتنا
بيتٌ من الطين واليرغول يطربه.”
في هذين البيتين تبدأ رحلة العودة إلى المكان الأول؛ إلى البيوت التي لم تكن فخمة، لكنها كانت عامرة بالمحبة، وإلى الحياة التي لم تكن غنية بالماديات، لكنها كانت غنية بالإنسان. فبيت الطين هنا ليس مادة للبناء، وإنما رمز للدفء، والبساطة، والأصالة، والانتماء، بينما يأتي اليرغول ليعيد إلى الذاكرة صوت الريف العربي، ذلك الصوت الذي كان جزءًا من الأفراح والمواسم والحكايات الشعبية.
ثم تتوالى الصور في انسياب هادئ، فتستحضر الشاعرة عش الحمام، وقارئ الفجر، وشجرة التين، وأيام العيد، والثوب المزهر بالجوري، لتصنع من هذه المفردات فسيفساء متكاملة لهوية اجتماعية وثقافية كاملة.
إنها لا تستدعي الأشياء لأنها جميلة فحسب، بل لأنها كانت تحمل قيمًا إنسانية ربما أصبحت اليوم أكثر ندرة؛ قيم الجيرة، وصلة الرحم، والسكينة، والرضا، والعلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة.
ومن أكثر المقاطع دفئًا في القصيدة قولها:
“فنجان أمي صباحًا هيل قهوتها
الله نهمسها والحب نشربه.”
قد تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة، لكنها من أكثر صور القصيدة كثافةً وثراءً. فالأم ليست مجرد شخصية في النص، بل هي رمز للبيت كله، والقهوة ليست مشروبًا، وإنما طقس يومي يجمع الأسرة، والهيل ليس رائحة عابرة، بل مفتاح يفتح أبواب الذاكرة.
لقد استطاعت حكمت العزة في بيتين فقط أن تختصر فلسفة البيت العربي؛ ذلك البيت الذي يبدأ صباحه باسم الله، وتجتمع فيه القلوب قبل أن تجتمع الأيدي حول فنجان القهوة.
وهنا تكمن إحدى أهم مزايا القصيدة؛ فهي لا تعتمد على الصور المركبة أو الغموض المقصود، وإنما تستمد جمالها من التفاصيل اليومية التي عاشها الناس، ثم تحولت مع الزمن إلى كنوز وجدانية. وهذه القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز إنسانية كبيرة هي من سمات الشعر الحقيقي.
وتواصل الشاعرة رحلتها نحو الطفولة حين تقول:
“خذني إلى التين كم قد كان ظللنا
في يوم حر إذا دانت أطايبه.”
ثم تستعيد أجواء العيد بفرحها البسيط:
“والعيد يهدي إلى ليلاتنا أرقًا
نحصي به الوقت كي تأتي مواكبه.”
لا تصف الشاعرة العيد بوصفه مناسبة دينية أو اجتماعية فقط، بل بوصفه شعورًا ينتظره الأطفال والكبار بشوق، حتى يصبح الانتظار نفسه جزءًا من فرحة العيد. إنها تستعيد ذلك الزمن الذي كانت فيه البهجة تولد قبل المناسبة بأيام، وكانت الثياب الجديدة، ولمّة العائلة، وزيارات الأقارب، تشكل احتفالًا بالحياة نفسها.
ولعل أجمل ما في هذه المشاهد أنها لا تنتمي إلى مكان بعينه، بل إلى الذاكرة العربية كلها. فبيت الطين، ورائحة الهيل، وشجرة التين، وصوت اليرغول، والأعياد، ليست حكرًا على مدينة أو قرية، وإنما هي جزء من وجدان عربي مشترك، ولذلك يجد القارئ نفسه داخل القصيدة مهما اختلفت بيئته.
وهنا يتجلى ذكاء حكمت العزة؛ فهي تكتب عن الماضي باعتباره فردوسًا مفقودًا، وتستحضر القيم التي كان يحملها ذلك الزمن؛ البساطة، والمحبة، والرضا، والدفء الإنساني، وكأنها تقول إن الإنسان لم يفقد البيوت وحدها، بل فقد معها شيئًا من روحه.
ومن هنا تتحول «مواويل» من قصيدة حنين إلى وثيقة وجدانية تحفظ ذاكرة مجتمع بأكمله، وتعيد الاعتبار لتفاصيل قد تبدو عادية، لكنها كانت في حقيقتها تصنع معنى الحياة.
ثم تعود إلى الحاضر لتضع القارئ أمام سؤال وجودي مؤلم، فتقول:
“هذا الزمان عجيبٌ لستُ أعرفه
وليس يصحبني بل لستُ أصحبُه.”
في هذين البيتين تختصر حكمت العزة شعور الطيبين من أبناء هذا العصر؛ ذلك الشعور بالاغتراب داخل زمنهم. فالإنسان لم يعد غريبًا عن الأمكنة فقط، بل أصبح غريبًا عن الإيقاع الذي يفرضه عليه العالم، وعن العلاقات التي تغيرت، وعن التفاصيل التي كانت تمنح الحياة معناها.
ولهذا سرعان ما تنتقل من استحضار الذكريات إلى الحديث عن الرسالة التي تؤمن بها، فتقول:
“خذني هناك إلى قلب أكلمه
وأصنع الخبز كي تحيا مآدبه.”
ثم تضيف:
“أوزع القوت للجوعى وأشبعهم
أدلل الحرف بي تعلو مراتبه.”
هنا تبلغ القصيدة مستوى آخر من العمق؛ إذ يلتقي الخبز بالشعر، ويلتقي العطاء بالكلمة، وكأن الشاعرة تؤكد أن الثقافة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن القصيدة التي لا تحمل همّ الإنسان تبقى ناقصة مهما بلغت من البلاغة.
إنها رؤية إنسانية جميلة تجعل من الشاعر شاهدًا على عصره، لا متفرجًا عليه، وتجعل من الكلمة وسيلة للبناء، لا للزينة اللفظية.
ثم يتسع أفق القصيدة ليشمل الوطن، فتقول:
“أفشي السلام تحياتٍ على وطني
وأعلم البحر لن تهدأ مراكبه.”
ويزداد الإيقاع قوة حين تتابع:
“لن يصمت البحر والأمواج تطربه
لن يهدأ البحر لن تهدأ سحائبه.”
لم يعد البحر هنا بحرًا بالمعنى الحرفي، بل أصبح رمزًا للحياة، وللإرادة التي لا تنكسر، وللوطن الذي يواصل سيره رغم العواصف. وتتكرر صور الريح، والسفن، والأمواج، والنجوم، لتؤكد أن الأمل لا يموت، وأن الرسالة التي يحملها الإنسان الصادق تظل قادرة على الوصول مهما اشتدت الرياح.
ومن الناحية الفنية، تحافظ حكمت العزة على روح القصيدة العربية العمودية، دون أن تقع في الجمود أو التقليد. فهي تمتلك موسيقى داخلية هادئة، وتستخدم لغة فصيحة واضحة، لكنها في الوقت نفسه بعيدة عن التعقيد والاستعراض البلاغي. ولهذا تصل القصيدة إلى القارئ بسهولة، من غير أن تفقد قيمتها الفنية.
ويستوقفني كذلك الحضور الكثيف للفعل «خذني» الذي يتكرر في معظم مقاطع القصيدة. وقد يظن بعض القراء أن هذا التكرار مجرد لازمة موسيقية، لكنه في الحقيقة يمثل العمود الفقري للنص كله. فكل مرة تقول فيها الشاعرة «خذني» لا تطلب الانتقال إلى مكان، بل تطلب العودة إلى معنى، وإلى قيمة، وإلى حالة إنسانية افتقدتها في حاضرها.
إنه نداء يحمل في داخله الشوق، والبحث، والاحتجاج، والأمل، ولذلك ظل حاضرًا حتى نهاية القصيدة، وكأنه الخيط الذي انتظمت حوله جميع الصور والمشاهد.
أما النهاية، فتأتي لتعلن انتصار الحياة على الانكسار، حين تقول:
“بي سكر الوجد آمالٌ ألوذ بها
لن ينفد الحب من قلبٍ يجربه.”
وهنا تبلغ القصيدة ذروتها الفكرية والوجدانية؛ فهي لا تستسلم لليأس، ولا تجعل الحنين نهاية الطريق، بل تجعل منه بداية جديدة للإيمان بالإنسان، وبالحب، وبقدرة الروح على الاحتفاظ بنقائها مهما تبدلت الأزمنة.
ولعل هذا هو سر جمال «مواويل»؛ فهي لا تدعو إلى البكاء على الماضي، بل تدعو إلى حمل أجمل ما فيه إلى الحاضر، حتى لا تضيع تلك القيم التي صنعت هوية الإنسان العربي عبر أجيال طويلة.
ولأن النقد الأدبي لا ينفصل عن أثر النص في قارئه، فلا أخفي أن انطباعي الأول عن الشاعرة حكمت العزة سبق قراءتي المتأنية لقصائدها. فهي سيدة رقيقة الحضور، هادئة القسمات، لا تفارق الابتسامة محياها، ويشع من وجهها صفاء يبعث في النفس الطمأنينة. إنها من أولئك الأشخاص الذين تشعر وأنت تجالسهم بأنهم يحملون سلامًا داخليًا ينعكس تلقائيًا على ملامحهم وكلماتهم. وقد درج الناس في عاميتنا على وصف هذا الصفاء بقولهم: “في وجهها نور محمد”، وهو تعبير شعبي يقصد به الإشراق والسكينة وحسن الطلعة، وربما كان هذا الوصف أقرب ما يكون إلى الانطباع الذي تتركه فيمن يلتقيها.
لكن أكثر ما شدني إليها لم يكن حضورها الهادئ فحسب، وإنما ذلك الانسجام العجيب بين شخصيتها وشعرها. فكثيرًا ما نقرأ نصوصًا جميلة لا تشبه أصحابها، أما حكمت العزة فتبدو قصائدها امتدادًا لروحها؛ هادئة، صادقة، بعيدة عن التكلف، وقريبة من القلب.
وأعترف أنني بكيت وأنا أستمع إلى قصيدة «مواويل»، ولم تكن دموع حزن، بل دموع تأثر عميق. لقد امتلكت القصيدة قدرة نادرة على أن تحملني إلى عالمها، حتى خُيّل إليّ أنني أسير بين أزقة القرية، وأستنشق عبير التين والهيل، وأستمع إلى أنين اليرغول، وأراقب وجوهًا لم أعرفها، لكنها بدت لي مألوفة، كأنها جزء من ذاكرتي. لم تكن الكلمات تُلقى على مسامعي، بل كانت تتحول إلى صور نابضة بالحياة، وإلى مشاهد تمضي أمام عيني في هدوء، حتى شعرت أنني لا أستمع إلى قصيدة، بل أعيشها بكل تفاصيلها.
ولعل هذه هي المعجزة التي لا يصنعها إلا الشعر الحقيقي؛ أن يمنح الإنسان القدرة على السفر إلى أماكن لم يزرها، وأن يجعله يحن إلى أزمنة لم يعشها، وأن يوقظ في قلبه مشاعر لم يكن يعلم أنها تسكنه. فالكلمة الصادقة لا تعترف بحدود الزمان أو المكان، بل تجد طريقها مباشرة إلى الروح، وهناك تبدأ رحلتها الحقيقية.
ولهذا انتهت القصيدة، لكن أثرها لم ينتهِ في داخلي. بقي صداها يتردد طويلًا، وبقيت صورها تسكن الذاكرة، وكأن حكمت العزة لم تكتب قصيدة فحسب، بل نسجت قطعة من الروح، ثم أهدتها لكل قارئ يعرف كيف يصغي إلى جمال الكلمة.
ولعل ما يدفعني إلى الكتابة عن حكمت العزة ليس جمال قصيدتها وحده، بل إيماني بأن الحركة الثقافية في الأردن، وفي الوطن العربي عمومًا، ما تزال تنبض بالحياة، خلافًا لما يردده البعض من أن الشعر انتهى برحيل كبار الشعراء، أو أن زمن الإبداع العربي قد ولى. وهذه مقولة لا أراها منصفة؛ فالأرض التي أنجبت المتنبي، وأبا تمام، وأبا الطيب، ومحمود درويش، ونزار قباني، لا تزال قادرة على إنجاب المبدعين في كل جيل، لكن المشكلة ليست في غياب الشعراء، بل في غياب الإصغاء إليهم.
لقد أصبح الإنسان المعاصر مثقلًا بإيقاع الحياة السريع، وبفيض الأخبار، وضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لم يعد يمنح القصيدة الوقت الذي تستحقه، ولا يمنح المبدع فرصة حقيقية ليصل إلى جمهوره. وفي الماضي كان للشاعر مجالس أدبية، ومنابر ثقافية، وصحف، وإذاعات، ونقاد، ومؤسسات تحمل صوته إلى الناس، أما اليوم فقد أصبحت كثير من التجارب الإبداعية الجادة تعيش في الظل، لا لأنها أقل قيمة، بل لأن الضوء بات يتجه في أحيان كثيرة إلى ما هو أسرع انتشارًا، لا إلى ما هو أعمق أثرًا.
ولا أنكر أن ازدحام الحياة الحديثة جزء من هذا المشهد، لكن ثمة أسبابًا أخرى لا يمكن تجاهلها، منها ضيق المساحات الثقافية، وضعف الاهتمام النقدي، وأحيانًا منافسات شخصية أو حسابات ضيقة تحجب بعض الأصوات المستحقة. وهذا لا يضر بالشاعر وحده، بل يضر بالحركة الثقافية كلها؛ لأن الثقافة لا تزدهر إلا في بيئة تؤمن بالتعدد، وتفسح المجال لكل صوت مبدع أن يُسمع ويُناقش ويُحتفى به.
ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات الثقافية، والإعلام، والنقاد، والجامعات، واتحادات الكتّاب، لا تقل أهمية عن مسؤولية الشاعر نفسه. فالمبدع الحقيقي لا يحتاج إلى المديح المجاني، وإنما يحتاج إلى قارئ يمنحه وقته، وإلى ناقد يقرأه بإنصاف، وإلى إعلام يسلط الضوء على التجارب الجديرة بالاهتمام، وإلى مؤسسات تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل ركيزة من ركائز بناء المجتمع.
إن دعم المبدعين ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمار في هوية الأمة وذاكرتها. فكل شاعر صادق يضيف لبنة جديدة إلى صرح الثقافة العربية، وكل قصيدة جميلة تحفظ شيئًا من لغتنا ووجداننا للأجيال القادمة. والأمم التي تكرم مبدعيها لا تحفظ أسماءهم فقط، بل تحفظ ذاكرتها، وتحمي لغتها، وتصون روحها من الذبول.
ولذلك، فإنني أرى في تجربة حكمت العزة نموذجًا يستحق الالتفات والاحتفاء. فهي لا تكتب الشعر لتزين الصفحات، ولا لتلاحق التصفيق، وإنما تكتب لأنها تؤمن بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعيد للإنسان شيئًا من إنسانيته، وأن تحفظ للذاكرة دفئها، وللوطن روحه، وللقلب حقه في الحلم.
لقد كانت «مواويل» بالنسبة إليّ أكثر من قصيدة؛ كانت رحلة إنسانية أعادتني إلى جوهر الأشياء، وأثبتت لي مرة أخرى أن الشعر الحقيقي لا يقاس بعدد الأبيات، ولا بزخرفة اللغة، وإنما بقدرته على أن يترك أثرًا يبقى في القلب بعد أن ينتهي النص. وهذا ما فعلته حكمت العزة بامتياز؛ فقد كتبت قصيدة لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تُعاش، ولا تكتفي بأن تُطرب الأذن، بل تلامس الروح، وتبقى ساكنة في الوجدان طويلًا بعد إسدال الستار على آخر بيت.
ونشكر اتحاد الكتاب والأدباء الاردنيين الذي يجمعنا دوما بالمبدعين و المبدعات و يتيح لنا فرصة عيش حالات من الوجد في الشعر و الأدب والابداع