لماذا يحجم الناس عن الإنخراط في الأحزاب؟
م. بسام ابو النصر
11-07-2026 01:58 PM
سؤال يستحق أن يُطرح بجدية، لأنه لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبح موضوعًا يتردد في المجالس السياسية والصالونات الثقافية، ويشغل كثيرًا من النخب والمهتمين بالشأن العام. ولعل ما كتبه معالي المحامي عبد الكريم الدغمي في مقالته الأخيرة أعاد هذا السؤال إلى الواجهة، بعد أن لامس جانبًا من القلق المتعلق بمستقبل العمل الحزبي في الأردن.
لقد راهن كثيرون على أن انتقال الإشراف على الأحزاب إلى الهيئة المستقلة للانتخاب سيكون خطوة تعزز استقلالية الحياة السياسية، وتوفر بيئة أكثر انفتاحًا، وتدعم التعددية والحريات السياسية. وكان الأمل أن يبتعد العمل الحزبي عن أي صورة قد تُفهم على أنها تدخل في شؤونه الداخلية، وأن تتكرس معايير العدالة والحياد في التعامل مع جميع الأحزاب.
غير أن جزءًا من النخب السياسية يرى أن الواقع لم يحقق كل تلك التوقعات. فهناك من يعبّر عن شعور بأن بعض الإجراءات التنظيمية أو الرقابية أصبحت، في بعض الحالات، تُفهم على أنها تقيّد حركة الأحزاب أو تزيد من تعقيد عملها. وقد تكون لدى الهيئة مبرراتها القانونية والتنظيمية، لكن أثر هذه الإجراءات على ثقة المواطنين والأحزاب يستحق التقييم والحوار.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية عزوف المواطنين عن العمل الحزبي، فالأسباب أعمق وأكثر تعقيدًا. فمنها ضعف الثقة بقدرة الأحزاب على التأثير في السياسات العامة، وتراجع الثقافة الحزبية عبر عقود طويلة، وغياب البرامج التي تلامس هموم الناس اليومية، إضافة إلى تردد بعض المواطنين في الانخراط السياسي خشية ما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية أو مهنية، رغم أن القانون يكفل هذا الحق.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: أين النخب الوطنية؟
إن غياب عدد كبير من النخب السياسية والفكرية والأكاديمية والمهنية عن الانخراط في العمل الحزبي يستحق دراسة جادة داخل المؤسسات المعنية بالتحديث السياسي، لأن بناء حياة حزبية فاعلة لا يتحقق بالأعداد وحدها، وإنما بنوعية المشاركين فيها. فالنخب هي التي تصنع الأفكار، وتطور البرامج، وتقود الحوار الوطني، وتمنح الأحزاب قدرتها على التأثير والإقناع.
كما أن الأحزاب نفسها مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها، وأن تجعل القضايا الوطنية الكبرى محورًا لبرامجها وحراكها، بعيدًا عن الانشغال بالخلافات الداخلية أو الحسابات الضيقة. فالمواطن لا يبحث عن حزب يكرر الشعارات، بل عن حزب يقدم حلولًا واقعية لقضايا الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإدارة العامة، وفرص العمل، وسيادة القانون، وتعزيز المشاركة السياسية.
ولا يقل مبدأ العدالة أهمية عن أي تشريع ناظم للحياة الحزبية. فإذا شعر المواطن أن العدالة ليست حاضرة في البيئة السياسية، أو أن الفرص ليست متكافئة، فإن ذلك سيضعف الرغبة في الانخراط، مهما كانت النصوص القانونية مشجعة. فالثقة تُبنى بالممارسة، وبالإحساس بأن الجميع يقفون على مسافة واحدة من القانون، وأن المنافسة تقوم على تكافؤ الفرص.
ومن زاوية أخرى، ينبغي الاعتراف بأن العمل الحزبي في جوهره عمل تطوعي، يحتاج إلى وقت وجهد والتزام. وهذا الواقع يجعل المشاركة أسهل لمن يملكون الاستقرار المادي أو الاجتماعي، بينما يجد كثير من أصحاب الكفاءات أنفسهم منشغلين بتأمين متطلبات الحياة اليومية وإعالة أسرهم، فلا يملكون الوقت أو الإمكانات لخوض تجربة حزبية تتطلب تفرغًا نسبيًا وعطاءً مستمرًا.
وهنا يبرز تحدٍ حقيقي؛ فهل نريد أحزابًا تمثل المجتمع بكل فئاته، أم أحزابًا يقتصر الحضور فيها على من تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية بالمشاركة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي التفكير في آليات تعزز المشاركة الواسعة، وتزيل العوائق العملية التي تحول دون انخراط أصحاب الخبرة والكفاءة.
كما أن الأحزاب تتحمل جزءًا من المسؤولية؛ إذ إن بعضها لم ينجح في تجديد خطابه، أو استقطاب الشباب، أو بناء مؤسسات حزبية تقوم على الكفاءة، وتمنح أعضاءها أدوارًا حقيقية في صناعة القرار. ولا يمكن أن تنمو الحياة الحزبية إذا بقي المواطن يشعر بأن حضوره لن يغيّر شيئًا.
إن نجاح مشروع التحديث السياسي لا يقاس بعدد الأحزاب المسجلة، ولا بعدد المنتسبين إليها، بل بمدى اقتناع المواطن بأن العمل الحزبي طريق حقيقي للمشاركة في صنع القرار، وأن صوته وخبرته وجهده يمكن أن تسهم في رسم السياسات العامة وخدمة الوطن.
ولعل المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة هادئة وشجاعة للتجربة، يشارك فيها الجميع: الدولة، والهيئة المستقلة للانتخاب، والأحزاب، والنخب الفكرية، ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل بناء بيئة سياسية أكثر ثقة وانفتاحًا، تُشجع المشاركة، وتستثمر في الكفاءات، وتعيد الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه ركيزة أساسية في مسيرة الإصلاح والتحديث.
ويبقى السؤال الذي يستحق الإجابة: هل المشكلة في الأحزاب نفسها، أم في البيئة التي تعمل فيها، أم في العلاقة بين الطرفين؟ إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الحياة الحزبية في الأردن، وتكشف ما إذا كنا نسير نحو ترسيخ التعددية السياسية، أم أننا ما زلنا بحاجة إلى إزالة العقبات التي تحول دون ازدهارها.