الحكومة الأردنية .. ما لا تراه الجداول والأرقام
مالك العثامنة
11-07-2026 12:40 AM
*يبدو التعديل الوزاري مرجحا الآن أكثر من أي وقت مضى
المجلة - ليس كل ما يجري حول الحكومة الأردنية الحالية برئاسة جعفر حسان دليلا على عملية إسقاط منظمة، وتجاوزا لنظرية المؤامرة التي تريح العقل من مشقة الفهم، فإن ما يحدث في المشهد الأردني ليس ضجيجا عابرا، بل ضغط سياسي وإعلامي مركب، يتغذى من أخطاء حكومية حقيقية، ومن ضعف واضح في إدارة الرواية، ومن مصالح متضررة أو طامحة، ومن وسائل تواصل قادرة على تحويل أية ثغرة إلى أزمة.
الأزمة ليست في استقالة وزير العمل خالد البكّار وحدها، ولا في الشبهة التي أحاطت بعطاءات، قيل إن شركةً مرتبطة بابنه، تقدمت لها. فهذه الواقعة، مهما كانت تفاصيلها القانونية، وما انتهت إليه الوقائع الأخيرة، لم تسقط من فراغ، بل جاءت فوق أرض جافة، وكل شرارة فوق أرض جافة لا تبقى شرارة طويلا، خصوصا حين تكون الحكومة في موضعِ مساءلةٍ حول شرح قراراتها، وضبط فريقها، وحماية صورتها.
قبل أزمة البكار كانت هناك أزمة تعديلات الضمان الاجتماعي، وهي أزمة كشفت أن الحكومة قد تملك منطق الأرقام، لكنها لا تملك دائما منطق المزاج العام، فالناس لا تعيش داخل الجداول، ولا تقتات على النسب المئوية، بل تريد أن تفهم لماذا يحدث ما يحدث، ومن سيدفع الكلفة، ومن يضمن العدالة، ولماذا تأتي الحقيقة متأخرة بعد أن تكون الشائعة قد سبقتها وجلست مكانها.
ولم تكن تلك الأزمة وحيدة، فقد سبقتها ولحقتها أزمات "تواصل سياسي" بدت صغيرة في ظاهرها، من بيان وزارة البيئة إلى أزمة حديقة الحيوانات، لكنها كشفت خللا أعمق في الحساسية العامة، وفجوة بين حكومة يتأخر توضيحها، وجمهور لا ينتظر طويلا قبل أن يصدق الرواية الأولى.
وفوق ذلك كله، يدخل المشهد الأردني مرحلة برلمانية مختلفة، فهناك مجلس جديد بحضور معارضة أوضح، ومع انعقاد الدورة الاستثنائية في الثاني عشر من تموز الجاري، تصبح الحكومة مطالبة بأن تدخل القاعة وهي أقل ارتباكا، وأوضح رواية، وأكثر تماسكا مما تبدو عليه الآن.
هنا يجب التمييز بين إسقاط الحكومة واستثمار أخطائها، فإسقاط الحكومات في الأردن لا يحدث بمنشور أو ترند، ولا بحملة سوشيال ميديا مجهولة النسب، لكن الحكومات قد تصبح كلفتها السياسية عالية حين تتراكم أخطاؤها، وحين تبدو عاجزة عن ضبط وزرائها، أو شرح قراراتها، أو حماية ملف النزاهة في العطاءات والمشاريع، أو حين تترك خصومها يكتبون روايتها عنها وهي تكتفي بالرد المتأخر.
الأقرب إلى التقدير أن هناك أربعة مسارات تُحدث غضباً شعبيّاً حقيقيّاً، فهناك شبهات الفساد أو تضارب المصالح، والخصوم ومراكز القوى، والطامحين إلى مواقع وزارية، والمعترضين في معارضة زائفة، الذين يتسلقون منابر إعلامية مبعثرة ووسائل تواصل تبحث عن الثغرات، والحكومات أحيانا تمنح هؤلاء ثغرات جاهزة.
لكن الأخطر أن أزمة البكار قد لا تكون آخر الموجة، بل أولها، فهناك ما يتردد في المجال السياسي والإعلامي عن ملفات إدارية قد تطال جهات أخرى داخل الفريق الحكومي، ولا يجوز التعامل مع هذه الروايات باعتبارها حقائق مكتملة، ولا الاستخفاف بها كأنها دخان بلا نار، فالسياسة لا تنتظر حكم المحكمة كي تصنع أثرها، والسمعة العامة للحكومة قد تتضرر من الشبهة إذا تأخرت الإجابة.
وإذا كانت هذه الملفات خطرة في بعدَيها الأخلاقي والسياسي، فإن الأخطر منها ما قد يخرج عن أداء من صلب الفريق الاقتصادي نفسه، أي من العمود الفقري الذي تقوم عليه حكومة حسان ومشروعها، فهذه الحكومة قدمت نفسها باعتبارها حكومة تنفيذ اقتصادي ومشاريع كبرى، لا حكومة إدارة يومية فقط، ولذلك فإن أي ضعف داخل الفريق الاقتصادي لا يعود تفصيلا فنيا، بل يصبح سؤالا عن قدرة الحكومة كلها على حمل المهمة التي جاءت من أجلها.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بما يمكن أن يقال عن نزاهة هذا المسؤول أو ذاك، بل بما يتراكم من شكاوى حول بطء التنفيذ، وضعف إدارة الملفات، وتذمر قطاعات اقتصادية وجهات استثمارية، بل حتى شكاوى داخل الفريق الحكومي نفسه، من وزراء معنيين بالاستثمار تحديدا، ملفاتهم لا تصل إلى الرئيس بالشفافية والسرعة المطلوبتين. فالخلل الذي يأتي من خارج الحكومة يمكن احتواؤه سياسيا، أما حين تأتي الشكوى من داخل الفريق، فذلك يعني أن ماكينة التنفيذ نفسها تحتاج إلى فحص لا إلى تلميع.
وعليه، تبدو العبارة الأدق أن ما يحدث ليس مؤامرة ممنهجة، لكنه بيئة استهداف مفتوحة، تصنعها فجوات الدولة حين تتركها بلا ملء، وتصنعها الحكومة حين تخلط بين إعلان القرار وشرح معناه، وبين الاعتقاد أن الإنجاز الرقمي يكفي وحده، وبين الحقيقة السياسية التي تقول إن الإنجاز الذي لا يفهمه الناس، أو لا يصدقونه، يبقى ناقصا مهما كان صحيحا على الورق.
ومن يعرف طريقة جعفر حسان في إدارة الملفات، يدرك أنه ليس من النوع الذي يترك الإشارات تمر بلا قراءة، والأرجح أنه سيلتقط هذه اللحظة، لا بوصفها ضغطا يجب الهروب منه، بل فرصة لعملية غربلة داخل الحكومة والملفات التي بدأت تتراكم حولها الأسئلة، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك تحت وطأة الذعر، لأن التعديل حين يولد من الخوف لا يعالج الأزمة، بل يورثها أسماء تأزيم جديدة فقط.
هنا تكمن دقة اللحظة، فالأوساط المتابعة ترى أن رئيس الحكومة مطالب بألا يظهر كمن يستجيب للحرائق، لكنه مطالب أيضا بألا يترك النار تتمدد، ومطالب بألا يظلم أحدا تحت ضغط الشارع، وألا يحمي الضعف أو البطء أو الشبهة باسم التماسك الحكومي، وأن يحافظ على هدوئه، من دون أن يتحول الهدوء إلى بطء في نظر الناس.
حكومة جعفر حسان ليست حكومة تصريف يومي، بل حكومة مشاريع كبرى، من الناقل الوطني إلى السكك والطاقة والمياه والبنية التحتية، وهذا يعني أن أية شبهة في العطاءات أو تضارب المصالح أو هشاشة الحوكمة لا تبقى مسألة أخلاقية فقط، بل تصبح مسألة سياسية واقتصادية تمس ثقة المستثمر والناس والبرلمان معا.
والمشاريع الكبرى لا تحتاج إلى أرقام فقط، بل تحتاج إلى رواية ثقة، فلا يكفي أن تقول الحكومة إن هناك مليارات ستضخ في الاقتصاد، لأن الأردني الذي سمع طويلا عن مشاريع لم تكتمل ووعود تبددت، يريد أن يعرف من يقرر، ومن يراقب، ومن يستفيد، ومن يحاسب، وكيف لا تتحول المشاريع الكبرى إلى مسارات مغلقة بين السلطة والقطاع الخاص.
ومن الإنصاف القول إن حكومة حسان ليست حكومة بلا حصيلة، لكن جوهر الإشكال أن الأرقام، مهما كانت صحيحة، لا تكفي وحدها لصناعة الثقة، فالشارع يختبر السياسة في شعوره بالعدالة، وبوضوح القرار، وبقدرة الحكومة على شرح ما تفعل قبل أن يشرحه خصومها عنها.
أما التعديل الوزاري، فهو يبدو الآن مرجحا أكثر من أي وقت مضى، لكنه سيكون خطأ إذا قدم للرأي العام كأنه إطفاء حريق لا هندسة مرحلة، فقبول استقالة البكّار لا يُلزم وحده بتعديل واسع، ودمج التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة، يشكل محطة إدارية وسياسية طبيعية، لإعادة ترتيب بعض المواقع، لكن المشكلة لن تحل إذا خرج وزير ودخل آخر وبقيت طريقة التفكير كما هي.
ما تحتاجه الحكومة فعليا ليس فقط أسماء جديدة، بل توازن مختلف داخل الفريق نفسه وحول الرئيس أيضا، بين خبرة تكنوقراطية تدير الأرقام والمالية والاقتصاد، وبين حس سياسي محلي يفهم الأردن من الداخل، ويعرف كيف تُقرأ العشائر والمناطق والمزاج الشعبي، كما يعرف الفرق بين قرار صحيح على الورق وقرار مقبول في الشارع، فالحكومات التي تنجح في تنفيذ مشاريعها الكبرى، ليست تلك التي تملك أفضل الجداول المالية فقط، بل تلك التي توازن بين عقل يدير الاقتصاد، وعقل يدير السياسة الداخلية والمشهد المحلي.
في الأردن، لا يجوز أن يتحول نقد الحكومة إلى كسر لصورة الدولة، ولا يجوز في المقابل أن تختبئ الحكومة خلف الدولة كي تمنع نقدها، فالحكومة جزء من الدولة وليست الدولة كلها، ومن يستهدفها عشوائيا، حتى من كواليس الدولة نفسها، قد يطلق النار على ساقيه أيضا، لكن الحكومة تخطئ إذا اعتقدت أن حماية الدولة لها تعني إعفاءها من الأسئلة، أو أن الإنجاز الرقمي يمنحها حصانة سياسية، أو أن التعديل الوزاري وحده يكفي لترميم الثقة.
الخروج من هذه اللحظة لا يكون بالذعر، ولا بالإنكار، ولا بتسمية كل نقد مؤامرة، بل بإغلاق الفراغات التي يسكنها الآخرون، وبناء رواية حكومية تسبق الشائعة لا تلحق بها، وربط المشاريع الكبرى بحوكمة كبرى، وإعادة التوازن داخل الفريق بين من يفهم الأرقام ومن يفهم الناس، لأن الدولة التي لا ترى إلا الجداول، قد تتفاجأ يوما بأن ما لا تراه الجداول، هو بالضبط ما يقرر مصيرها السياسي.