توفيق باشا كريشان .. حكيم معان وسليل «شيخ الرايتين» ورايةٌ لم تنحنِ
طارق الخوالده آل خطاب
11-07-2026 02:35 PM
* معان أنجبته… والأردن عرفه نائبَ وطن ورجلَ دولةٍ لا تغلق أبوابه
أكتب اليوم عن رجلٍ لا يحتاج إلى من يصنع له تاريخًا، فالتاريخ يعرفه، ولا يحتاج إلى من يمنحه مكانةً بين الناس، فقد صنعتها مواقفه قبل مناصبه، وكرّسها تواضعه قبل ألقابه، وحفظها وفاؤه للناس والوطن على امتداد عقود من العمل العام.
أكتب عن معالي العين توفيق محمود حسين كريشان، أبي عبدالله، ابن معان الأبية، وسليل بيتٍ لم يعرف يومًا أنصاف المواقف، ولم تكن الزعامة فيه لقبًا يعلّق على الأبواب، بل عهدًا في خدمة الناس، ونصرةً للمظلوم، وإغاثةً للملهوف، ووقوفًا ثابتًا إلى جانب الأردن في أيام الرخاء والشدة.
قد يمر على الحياة السياسية كثيرون، وقد تتبدل الحكومات وتتغير الكراسي، لكن رجال الدولة الحقيقيين لا تنتهي سيرتهم بانتهاء المنصب؛ لأنهم لم يدخلوا العمل العام بحثًا عن مجد شخصي، بل دخلوه ليزرعوا أثرًا في حياة الناس.
وتوفيق باشا واحد من هؤلاء الرجال؛ كلما ارتفع به المنصب ازداد تواضعًا، وكلما اتسعت مسؤولياته اتسع قلبه للناس، وكلما ازدحمت أمامه الملفات لم يُغلق بابه في وجه صاحب حاجة.
هو ابن مدرسة معانية أصيلة ترى أن الرجل لا يكبر بكرسيه، بل يكبر حين يبقى قريبًا من الناس وهو في أعلى المواقع. لذلك ظل توفيق باشا كريشان، رغم ما تقلده من مناصب رفيعة، محافظًا على بساطته المعهودة، يستقبل الناس بوجه بشوش، ويستمع إليهم بصبر واحترام، ويخاطب الكبير والصغير بالطريقة نفسها. فهو يصغي بتواضع، ويتلمس حاجات الناس حتى دون أن يبوحوا بها، ويتعامل بصدق وجرأة مع قضاياهم، وهي صفات تفسر جانبًا كبيرًا من مكانته الواسعة في معان والجنوب والوطن بأكمله.
أبوابه مشرعةٌ لم تعرف الإغلاق
قد يكون أسهل ما يفعله بعض المسؤولين أن يضعوا بينهم وبين المواطنين الحواجز والمواعيد الطويلة والسكرتاريا والأبواب المغلقة، لكن أبا عبدالله لم يكن من هذه المدرسة.
كان بابه مفتوحًا ومشرعًا للناس حين كان نائبًا، وبقي مفتوحًا حين أصبح وزيرًا ونائبًا لرئيس الوزراء، وظل مفتوحًا في مجلس الأعيان، كما بقي بيته في معان وعمان بيتًا يعرفه القاصي والداني، يقصده صاحب الحاجة، ويطرقه الوجيه والمواطن البسيط، ويجلس فيه ابن الشمال إلى جانب ابن الجنوب، دون سؤال عن منطقة أو عشيرة أو موقع.
لم يكن مكتبه يومًا حصنًا يعزله عن المواطنين، ولم يكن المنصب حاجزًا بينه وبين الناس. كان يستقبلهم بوجه بشوش، ويستمع إلى حديثهم حتى نهايته، ويحترم الكبير والصغير، ويمنح صاحب المظلمة حقه في الكلام، حتى إن لم يكن الحل بيده.
وهذه هي قيمة المسؤول الحقيقي: ليس أن يعد الناس بما لا يستطيع، بل أن يسمعهم بصدق، وأن يعاملهم بكرامة، وأن يبذل ما يستطيع دون منّة أو استعراض.
وحتى في وزارة الإدارة المحلية، لم تكن عبارة «الأبواب المفتوحة» مجرد شعار؛ فقد أعلنت الوزارة في عهده فتح أبوابها أمام المستثمرين، وعقدت لقاءات معهم، وأرسلت لجانها إلى مواقع مشروعاتهم ميدانيًا، لمعالجة الممكن منها ضمن أحكام القانون.
لقد كان بابه في الوزارة باب دولة، وفي مجلس النواب باب وطن، وفي مجلس الأعيان باب خبرة وحكمة، وفي بيته باب كرم وأصالة.
أبوابه لم تُفتح للمتنفذين وحدهم، بل كانت مشرعة أمام كل أردني يحمل مطلبًا محقًا أو مظلمة أو فكرةً تخدم الوطن.
نائب عن معان… لكنه كان نائب وطن
دخل توفيق باشا مجلس النواب ممثلًا عن محافظة معان، وشارك في المجلسين النيابيَّين الثاني عشر والخامس عشر، لكن من عرف مسيرته يعلم أنه لم يكن يومًا نائب منطقة بالمعنى الضيق، ولم يحصر صوته وموقفه وخدمته داخل حدود دائرته الانتخابية.
كان يحمل معان في قلبه، ويفتخر بأهلها وتاريخها ورجالاتها، لكنه كان يحمل الأردن كله في ضميره. كان نائبًا عن معان في السجلات، لكنه كان نائب وطن في الموقف والقرار والخدمة؛ يرى أن وجع المواطن في الرمثا من وجع المواطن في العقبة، وأن حاجة أهل الأغوار لا تقل أهمية عن حاجة أهل البادية، وأن حق القرية البعيدة في التنمية لا يقل عن حق المدن الكبرى.
لم يسأل صاحب الحاجة من أي محافظة جاء، بل كان السؤال عنده: ماذا نستطيع أن نفعل له؟
وهذه هي النيابة الحقيقية؛ ليست أن يقف النائب عند حدود أصوات دائرته، بل أن يحمل هموم الوطن كله تحت القبة.
وبعد التجربة النيابية، تنقل بين مواقع حكومية وتشريعية رفيعة؛ فتولى الشؤون البلدية والقروية، والبيئة، والشؤون البرلمانية، وشغل عضوية مجلس الأعيان، وتولى منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون البرلمانية، ثم نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية. وهي مسيرة جمعت بين البرلمان والحكومة والإدارة والميدان, فقد جمع بين خبرة النائب المنتخب، والوزير التنفيذي، والعين المشرّع.
لم يكن ابن معان الذي ذهب إلى عمّان فنسي مدينته، ولم يكن ابن الجنوب الذي أغلق قلبه أمام بقية الوطن؛ بل حمل أصالة معان إلى قلب الدولة، ووضع خبرته في خدمة الأردن من شماله إلى جنوبه، ومن بواديه وأغواره إلى مخيماته وقراه ومدنه.
معان أنجبته… لكن الأردن كله كان ميدان عطائه.
وزير المحافظات… لا وزير المكاتب
حين تولى وزارة الإدارة المحلية، لم يجلس خلف مكتبه ينتظر التقارير المصقولة والكلمات المنمقة، بل نزل إلى الميدان، وزار البلديات، والتقى مجالس المحافظات، واستمع إلى رؤساء البلديات وأعضائها وموظفيها وعمال الوطن والمواطنين.
وشملت جولاته الميدانية البلديات المئة في المملكة، فاطلع على احتياجاتها المتشابهة والمختلفة، من المديونية والطرق والإنارة والنظافة والآليات، إلى الاستثمار والتنظيم والبنية التحتية.
من الرمثا إلى العقبة، ومن المفرق إلى معان، ومن الأغوار إلى البادية، كان حاضرًا بصفته رجل دولة يعرف أن المحافظة البعيدة عن العاصمة ليست بعيدة عن الوطن، وأن البلدية الصغيرة لا تستحق اهتمامًا أقل من كبرى البلديات. لم يكن وزيرًا يزور المحافظات لالتقاط صورة ثم يعود، بل كان يستمع ويوجه ويتابع، ويؤمن بأن المسؤول الذي لا يرى احتياجات المواطنين بعينيه، لن يفهمها كاملةً من خلال الأوراق. لقد خدم المحافظات كلها؛ لم يميز بلدية لأن رئيسها قريب، ولم يهمل أخرى لأنها بعيدة، بل دعا إلى العدالة في توزيع المشروعات والخدمات، وإلى أن تعمل البلديات بروح الفريق الواحد لخدمة الوطن والمواطن.
ومن الإنصاف أن نقولها بصوت واضح:
توفيق باشا لم يكن وزير بلديات فقط؛ كان وزير المحافظات والقرى والبوادي والأطراف، وكان حاضرًا حيث يحتاج الناس إلى حضور الدولة.
من تنظيف المدن ومداخلها… إلى إنشاء الحدائق ودعم الاستثمار ورقمنة الخدمات
كان يدرك أن نظافة المدينة ليست تفصيلًا صغيرًا، بل عنوان كرامتها ووجه الدولة أمام مواطنيها وزوارها.لذلك شدد على الارتقاء بالنظافة، وتحسين الطرق والإنارة، والاهتمام بمداخل البلديات وتنظيفها وزراعتها بالأشجار، حتى يكون لكل مدينة وقرية وجه يليق بأهلها وتاريخها.
وفي عهده، توسعت مسؤولية الوزارة لتشمل تنظيف الغابات والمواقع السياحية والأثرية والدينية والمتنزهات والشوارع الرئيسية، وجرى توحيد هذه الجهود تحت مظلة الإدارة المحلية، إلى جانب إطلاق جوائز للتميز في النظافة وتكريم عمال الوطن. لكنه لم يتوقف عند رفع النفايات وتنظيف الشوارع ومداخل المدن؛ لأنه كان يعلم أن المدينة ليست شارعًا معبدًا وحاوية نظيفة فقط، بل مساحة للحياة والراحة والجمال. لهذا حمل ملف الحدائق والمتنزهات والمرافق العامة، ووجه بدراسة إنشاء حدائق ومتنزهات في عدد من البلديات، ومن بينها بلديات محافظة معان، كما افتتح مرافق عامة وحدائق في محافظات أخرى.
انتقل بالعمل البلدي من تنظيف المدينة إلى تجميلها، ومن إزالة المشهد السيئ إلى صناعة مشهد أجمل، ومن خدمة يومية ضرورية إلى بناء مساحة تحفظ حق العائلة والطفل والشاب في متنفسٍ كريم.
كان يرى أن الشجرة على مدخل المدينة رسالة، وأن الحديقة ليست ترفًا، وأن المتنزه العام حق للناس، وأن نظافة الشارع وجماله جزء من احترام المواطن.
لم يكتفِ بالمعاملة الورقية… بل دفع نحو بلديات رقمية
الرجل الذي خبر البلديات منذ التسعينيات لم يبقَ أسير الأدوات القديمة، بل أدرك أن الإدارة المحلية لا يمكن أن تدخل المستقبل بالملفات المتراكمة والطوابير الطويلة وكثرة التواقيع.
وفي عهده جرى العمل على إعادة هندسة الإجراءات البلدية، وتقليصها من 72 خدمة إلكترونية إلى 44 خدمة أكثر تنظيمًا، وإطلاق 19 خدمة إلكترونية بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الرقمي، والعمل على رقمنة خدمات رئيسية، بينها رخص المهن ورخص البناء والتعويضات عن الاستملاك. كما أُطلق نظام «تراسل» لربط الوزارة بالبلديات ومديريات الشؤون البلدية ومجالس الخدمات المشتركة ومجالس المحافظات.
وهنا يظهر الفارق بين من يدير يومه، ومن يبني للمستقبل. فهو لم يرد للمواطن أن يبقى رهينة المراجعات المتكررة، ولا أن تضيع معاملته بين مكتب وآخر؛ بل دفع باتجاه خدمة إلكترونية أسرع وأوضح، ونظام مالي محوسب يساعد البلديات على تحسين التحصيل وضبط مواردها.
لقد انتقل بالبلديات من ختم الورقة إلى نقر الشاشة، ومن المعاملة التي قد تتوه بين الأدراج إلى خدمة قابلة للمتابعة والمساءلة.
ومن تنظيف الشوارع إلى رقمنة الخدمات، كان يبني مفهومًا جديدًا للبلدية: مؤسسة تخدم الإنسان وتحترم وقته.
واجه المديونية بدل أن يخفيها
لم يتعامل توفيق باشا مع مديونية البلديات بلغة الإنكار أو تجميل الأرقام، بل تحدث عنها بصراحة، وحدد أسبابها، ووضع خطة لتعافي البلديات كانت تستهدف خفض المديونية. وشملت خططه السير بإعفاء البلديات من فوائد الحسابات المكشوفة، وحوسبة النظام المالي، وتحسين تحصيل الأموال المستحقة، وتقليل كلف صيانة الآليات والطاقة، وتشجيع البلديات على استثمار أصولها بالشراكة مع القطاع الخاص. وكان واضحًا في تشخيصه: الاستثمار الفاشل لا ينقذ البلدية، بل يثقلها، والاستملاك غير المدروس لا يصنع تنمية، والمشروع الذي لا يقوم على دراسة جدوى يتحول من فرصة إلى عبء.
لهذا دعا إلى مشروعات منتجة تتناسب مع طبيعة كل منطقة، وتولد دخلًا وفرص عمل، بدل أن تبقى البلديات معتمدة على الرسوم والمساعدات وحدها. هذه ليست إدارة تصريف أعمال، بل إدارة تواجه المشكلة من جذورها.
فالوزير الناجح لا يخفي المديونية تحت السجاد، بل يضعها على الطاولة، ويشخص أسبابها، ويبدأ طريق العلاج.
حوّل البلدية من مؤسسة خدمات إلى ذراع استثمار وتنمية
كان يؤمن بأن البلدية لا يجب أن تبقى محصورة في جمع النفايات وتعبيد الطرق وإصدار الرخص، بل يجب أن تتحول إلى محرك للتنمية والاستثمار والتشغيل.
وفي عهده جرى تشجيع البلديات على استثمار أصولها الثابتة بالشراكة مع القطاع الخاص، ضمن مشروعات شملت مباني استثمارية وصالات متعددة الأغراض وأسواق خضار ومعاصر زيتون ومحطات محروقات ومزارع شمسية وغيرها.
كما دعا المستثمرين إلى التوجه خارج العاصمة والاستفادة من الفرص المتاحة في المحافظات، مؤكدًا أن التنمية لا يجوز أن تبقى متمركزة في عمّان، وأن البلديات قادرة على تقديم فرص استثمارية تتناسب مع خصوصية كل منطقة. وأشار إلى تخصيص جزء من موازنات مجالس المحافظات لمشروعات تنموية واستثمارية. كان يريد للبلدية أن تملك أصلًا منتجًا، لا دينًا جديدًا؛ وأن توفر فرصة عمل، لا معاملة إضافية؛ وأن تستثمر الأرض المهملة، لا أن تتركها عبئًا على موازنتها.
انتقل بالبلديات من انتظار الدعم إلى البحث عن الإيراد، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة، ومن مؤسسة خدمية محدودة إلى شريكٍ في التنمية الاقتصادية.
إنارة أقل كلفة… وطاقة أنظف
ومن الملفات التي عمل عليها تخفيض فاتورة الطاقة التي كانت تستنزف موازنات البلديات، من خلال استبدال وحدات إنارة الشوارع بوحدات موفرة للطاقة، ودعم إقامة مشروعات ومزارع للطاقة الشمسية.
وشملت خططته مشاريعا للطاقة الشمسية يخدم البلديات مما ساعد على خفض كلف الكهرباء وتوجيه الأموال إلى خدمات أكثر إلحاحًا للمواطنين. وهنا تتجلى عقلية رجل الإدارة: لا يكفي أن تدفع الفاتورة كل عام، بل يجب أن تبحث عن حل يخفضها لسنوات.
عمال الوطن… كرامة من يخدمون الشوارع
لم ينظر إلى عامل الوطن بوصفه رقمًا في كشوف الرواتب، بل بوصفه إنسانًا يؤدي واحدة من أشرف الخدمات وأكثرها مشقة.
وخلال عهده جرى تنفيذ قرار تثبيت عمال الوطن الفعليين في الميدان، والعمل على إحلال العمالة الأردنية تدريجيًا، كما عينت البلديات ومجالس الخدمات المشتركة أعدادًا من عمال الوطن والزراعة والصيانة.
ولم يكن تكريم «أفضل عامل وطن» مجرد احتفال، بل رسالة بأن اليد التي تنظف الشارع تستحق الاحترام، وأن من يحفظ وجه المدينة شريك في بنائها، لا موظفًا هامشيًا لا يلتفت إليه أحد.
حنكة السياسي وهدوء رجل الدولة
لم يكن توفيق باشا من السياسيين الذين يملؤون الدنيا صخبًا ويتركونها بلا أثر، ولم يكن ممن يرفعون أصواتهم لتعويض ضعف حجتهم.
كانت قوته في هدوئه، وهيبته في اتزانه، وحنكته في معرفته متى يتكلم وكيف يتكلم، ومتى يكون جمع الناس أهم من تسجيل النقاط عليهم.عرف البرلمان والحكومة والإدارة المحلية، وتعامل مع الملفات السياسية والخدمية والتشريعية، لكنه لم يفقد لغته البسيطة، ولم يتخلَّ عن طبيعته المعانية الأصيلة.
لم يسمح للألقاب أن تبني بينه وبين الناس جدارًا، وبقي أبو عبدالله الذي يجلس بين الناس كما كان قبل الوزارة، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويحفظ الود والعشرة، ولا يتنكر لمن طرق بابه يومًا.وهذا هو التواضع الحقيقي؛ ألا تتصنع القرب أمام الكاميرات، بل تبقى قريبًا حين تنطفئ الأضواء.أما حنكته، فلم تكن مراوغة أو تلونًا؛ بل قدرة على قراءة المشهد، وتقدير الظروف، وتقريب المواقف، وحماية مؤسسات الدولة من التسرع، مع الثبات على مصلحة الأردن التي لا تقبل المساومة.
في مجلس الأعيان… الخبرة لا تتقاعد
صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه عضوًا في مجلس الأعيان ، ليواصل مسيرته من موقع تشريعي ورقابي رفيع. ويتولى رئاسة اللجنة الإدارية في المجلس، وهي لجنة تتعامل مع قضايا الإدارة العامة والإدارة المحلية والوظيفة العامة وتحديث القطاع العام، في موقع يتناسب مع خبرة رجل أمضى عقودًا في قلب الدولة والبلديات والبرلمان.
هناك رجال ينتهي حضورهم بخروجهم من المنصب، وهناك رجال تبقى الدولة بحاجة إلى رأيهم وخبرتهم وحكمتهم.
وتوفيق باشا من الفئة الثانية؛ فالوطن عنده لم يكن وظيفة تنتهي، بل أمانة تستمر.
وبقي بابه في مجلس الأعيان مفتوحًا كما كان في مجلس النواب والوزارة؛ لأن من اعتاد خدمة الناس لا تغيره القاعة التي يجلس فيها، ولا اللقب المكتوب قبل اسمه.
محمود باشا كريشان… الأب الذي كانت نخوته بحجم الوطن
لم ينشأ توفيق باشا في بيت عادي، بل فتح عينيه في بيتٍ كان الكرم فيه واجبًا، وخدمة الناس شرفًا، والوقوف مع الوطن عقيدة لا تقبل المساومة.
فوالده، المرحوم محمود باشا كريشان، كان من كبار زعماء معان ورجالات الدولة في عهد الإمارة وبدايات المملكة. دخل العمل السياسي مبكرًا، وفاز عام 1934 بعضوية المجلس التشريعي الثالث عن لواء معان، بوصفه أول ممثل لمعان في ذلك المجلس، وأسهم في الحياة السياسية والوطنية في مرحلة تأسيس الدولة.
لكن محمود باشا لم يكن رجل مجلس وتشريع فقط؛ كان نخوة تمشي بين الناس، وبابًا لا يغلق في وجه محتاج، وبيتًا يدخله صاحب الحاجة وهو واثق بأنه لن يعود مكسور الخاطر.
كان يرى في الزعامة خدمة لا امتيازًا، وفي المال وسيلة لإكرام الضيف وإغاثة الملهوف، وفي الجاه قوة يجب أن توضع إلى جانب المظلوم، لا فوق رقاب الضعفاء.
وعندما نادت فلسطين رجالها، لم يكتفِ بالبيانات والكلمات، بل هب مع رفيق دربه حامد باشا الشراري لتجهيز وتسليح نحو مئة وخمسين فارسًا من أبناء معان، استعدادًا للانطلاق دفاعًا عن فلسطين. كان رجلًا شهماً إذا نادى الوطن لبّى، وإذا استغاث مظلوم انتخى، وإذا طرق ضيف بابه أكرمه، وإذا حمل مسؤولية أداها بشرف.
ومن مدرسة ذلك الأب تعلم توفيق باشا أن الرجال لا تُقاس بما تملك، بل بما تعطي، ولا تُعرف في الرخاء، بل في الملمات.
حسين باشا كريشان… شيخ الرايتين وجذر الحكاية
أما الجد، الشيخ حسين باشا كريشان، شيخ الرايتين، فهو الجذر الراسخ لهذه السيرة الممتدة.
حمل راية الكرم حين كان الكرم عنوان الرجال، وحمل راية الحرب والشجاعة حين كانت المواقف تحتاج إلى رجال لا يخافون ثمنها؛ ومن هنا جاء لقبه: شيخ الرايتين، راية الكرم وراية الحرب.
كان من زعماء معان في أواخر العهد العثماني، وكان ديوانه من أوائل البيوت التي استقبلت رسل الثورة العربية الكبرى وطلائعها عند وصولهم إلى معان، وكان نجله محمود باشا إلى جانبه في تلك المرحلة التي سبقت قيام الدولة الأردنية.
لم يكن ديوانه مكانًا للضيافة وحدها، بل بيت قرار وملتقى رجال ومحطة من محطات التاريخ الوطني. ومن ذلك البيت خرجت قيم الولاء والكرم والشجاعة، وانتقلت من حسين باشا إلى محمود باشا، ثم حملها توفيق باشا في مسيرته الطويلة.
إنها ليست وراثة ألقاب… بل وراثة مسؤوليات.
وليست حكاية عائلة تتغنى بماضيها، بل سيرة ثلاثة أجيال وضع كل جيل منها لبنة في خدمة الأردن.
ثلاثة أجيال… والراية خفاقة
من حسين باشا شيخ الرايتين، إلى محمود باشا رجل النخوة والسياسة وفرسان فلسطين، إلى توفيق باشا رجل الدولة والحكومة والبرلمان والإدارة المحلية، بقيت الراية مرفوعة. تغير الزمن، وتبدلت المواقع، لكن القيم لم تتبدل: الكرم ذاته، والشهامة ذاتها، والوفاء ذاته، والانحياز للناس ذاته.
ولذلك، فإن شعبية توفيق باشا في معان لم تأتِ من حملة إعلامية، ولم يصنعها منصب؛ بل صنعتها أبواب لم تغلق، ومواقف عاشها الناس، وعهد لم يتنكر له صاحبه.
غير أن محبة معان له لم تمنعه من أن يكون رجلًا لكل الأردنيين؛ فهو ابن معان الذي لم يتعصب إلا للأردن، وابن الجنوب الذي فتح قلبه للشمال والوسط والأغوار والبادية والمخيمات، والسياسي الذي أدرك أن الوطن لا يُجزّأ، وأن المسؤول إما أن يكون للجميع، أو لا يستحق شرف المسؤولية.
توفيق باشا كريشان… رجلٌ أدى أمانة المسؤولية
قد يكتب البعض عن توفيق باشا بوصفه نائبًا سابقًا، أو وزيرًا لمرات عديدة، أو نائبًا لرئيس الوزراء، أو عضوًا في مجلس الأعيان ورئيسًا للجنته الإدارية.
أما أنا فأكتب عنه بوصفه رجل دولةٍ حمل أمانة كل منصب تولاّه بإخلاص، وأضاف إليه من خبرته وحكمته وقربه من الناس، وغادره تاركًا خلفه سيرةً طيبةً وأثرًا يشهد له.
فالمناصب في نظر الرجال الأوفياء ليست وجاهةً ولا امتيازًا، وإنما تكليف ومسؤولية وفرصة لخدمة الوطن والمواطن. وهكذا تعامل أبو عبدالله معها؛ لم تغيّر المناصب لغته، ولم تغلق أبوابه، ولم تبعده عن مجالس الناس، ولم تجعله ينسى معان وأهلها أو أي محافظة من محافظات الوطن.
كان نائبًا عن معان، لكنه كان نائب وطن.
وكان وزيرًا للإدارة المحلية، لكنه كان وزيرًا لكل المحافظات.
والآن عينًا في مجلس الأعيان، لكنه بقي رجلَ الوطن كله؛ يحمل إلى المجلس خلاصة التجربة، وحكمة السنين، وهموم الناس من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
دخل مجلس النواب وبابه مفتوح، ودخل الوزارة وبابه مفتوح، ودخل مجلس الأعيان وبابه مفتوح، وبقي بيته كذلك بيتًا للناس، لا تغلقه المناصب، ولا تحجبه الألقاب، ولا تفرق مجالسه بين صاحب منصب ومواطن بسيط.
وكان ابن محمود باشا وحفيد حسين باشا، شيخ الرايتين، فحمل إرث بيت عريق في الكرم والنخوة والشهامة وخدمة الناس، لكنه لم يكتفِ بالاتكاء على تاريخ الآباء والأجداد؛ بل أضاف إلى ذلك التاريخ مسيرةً وطنيةً طويلة تليق باسمهم وإرثهم ومكانة معان في وجدان الأردنيين.
وإن الحديث عن مسيرة توفيق باشا كريشان لا يكتمل دون الإشادة براعي مسيرة الوطن وقائد نهضته وتحديثه، حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه؛ القائد الذي جعل الإنسان الأردني محور التنمية وغايتها، وقاد مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري بإرادة ثابتة ورؤية تستشرف مستقبل الأردن. وقد أكد جلالته أن البلديات ومجالس المحافظات تمثل مفتاحًا أساسيًا للتطوير، وأن النهوض بالمحافظات وتعزيز قدراتها التنموية مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.
وفي مدرسة جلالة الملك عبدالله الثاني، التي تكرّم الإنجاز وتمنح الثقة لأصحاب الخبرة والسيرة الوطنية، واصل توفيق باشا أداء واجبه في مواقع المسؤولية المختلفة، ملتزمًا بالنهج الهاشمي القائم على القرب من المواطنين، وصون كرامتهم، وخدمة المحافظات بعدالة، وتقديم مصلحة الأردن فوق كل اعتبار.
فالتحية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، قائد الوطن وحامي مسيرته، الذي يمضي بالأردن بثبات وسط التحديات، ويقود مشروعًا وطنيًا شاملًا للتحديث والتنمية وبناء المستقبل، واضعًا مصلحة المواطن وكرامته في مقدمة الأولويات.
والتحية لمعالي العين توفيق باشا كريشان؛ حكيم معان، ونائب الوطن، ووزير المحافظات، وعين الحكمة والخبرة، وسليل بيت الرايتين، والرجل الذي بقي بابه مفتوحًا وقلبه مشرعًا للأردنيين جميعًا.
حفظ الله الأردن عزيزًا شامخًا آمنًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ رجاله الأوفياء الذين يؤمنون بأن خدمة الأردن شرف، وأن كرامة المواطن أمانة، وأن المسؤولية عهد لا يُصان إلا بالعمل والإخلاص.
فمعان أنجبت توفيق باشا كريشان… لكن الأردن كله عرفه وأحبه نائبًا للوطن، ووزيرًا لمحافظاته، وعينًا يحمل تحت القبة حكمة السنين وهموم الأردنيين.