حين تصطدم الطموحات الجيوسياسية بحقائق الجغرافيا والتاريخ
عبدالنبي الشعلة
18-07-2026 12:07 PM
يطرح كثير من القراء والمتابعين لمقالاتي سؤالًا مشروعًا: إذا كان النظام الإيراني يعلن أن خصومته مع الولايات المتحدة، فلماذا يتركز معظم الضغط العسكري والسياسي على دول الخليج العربية؟ ولماذا لا يمتد إلى دول أخرى تقع على الحدود الإيرانية مباشرة وتستضيف قوات أمريكية أو ترتبط بتحالفات أمنية مع واشنطن؟ هذا السؤال لا يهدف إلى إدانة أحد، وإنما يعكس مفارقة سياسية تحتاج إلى تفسير.
فالنتيجة العملية أن دول الخليج، رغم حرصها المستمر على تجنب التصعيد والدعوة إلى الحوار، هي التي تتحمل القدر الأكبر من تداعيات هذا الصراع، سواء عبر استهداف الملاحة، أو تهديد أمن الطاقة، أو الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو محاولات الابتزاز والضغط السياسي والنفسي.
وحتى نجد اجابة على هذا السؤال فإن الوضع الأمني في الخليج، وما تشهده المنطقة من توتر وعدم استقرار، وعلاقة دول الخليج العربية مع الجارة إيران، يبقى من القضايا التي تستحق المزيد من القراءة والمراجعة. فمنذ توقف المواجهات العسكرية التي اندلعت في نهاية شهر فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدا أن المنطقة تتجه نحو انفراج نسبي بعد الاتفاق على إطلاق مباحثات بوساطة قطرية ـ باكستانية. غير أن هذا الانفراج لم يدم طويلًا، إذ عادت التوترات إلى الواجهة بعد تعثر التفاهمات وتجدد الاعتداءات على الملاحة في مضيق هرمز والتهديد بإغلاقه، لتدخل المنطقة مرة أخرى في دوامة التصعيد.
وقد سبق أن حذرنا من أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى الأسلوب الذي اشتهر به في إدارة الأزمات، والقائم على كسب الوقت، والمراوغة، وإعادة التفاوض، ثم التراجع عن الالتزامات كلما سنحت الفرصة لتحسين شروطه. وربما نجح هذا الأسلوب في بعض المراحل السابقة، إلا أن الظروف الإقليمية والدولية اليوم تختلف كثيرًا، وأصبحت قدرة المجتمع الدولي على استيعاب مثل هذه الممارسات أقل مما كانت عليه في الماضي، كما أصبحت كلفة استمرارها أعلى على إيران نفسها.
لكن جوهر القضية لا يكمن في المفاوضات وحدها، وإنما في محاولة استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسي واستراتيجي. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري يقع على حدود إيران (وليس ضمن حدودها)، وإنما أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز المنقولة بحرًا، وتعتمد عليه اقتصادات آسيوية وأوروبية وعالمية بصورة مباشرة. ولذلك فإن أي تهديد لحرية الملاحة فيه لا يُنظر إليه باعتباره خلافًا إقليميًا محدودًا، بل باعتباره مساسًا بمصالح المجتمع الدولي بأسره.
وهنا تكمن الحقيقة الجيوسياسية التي كثيرًا ما يجري تجاهلها. فالقضية لم تعد تتعلق بعلاقة إيران مع الولايات المتحدة أو مع دول الخليج فحسب، وإنما بطبيعة النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي جعل من حرية الملاحة البحرية أحد أهم مرتكزات التجارة والاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق جاء “مبدأ كارتر” عام 1980، الذي اعتبر أن أي محاولة للسيطرة على منطقة الخليج أو تعطيل تدفق الطاقة منها تمس المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وهو مبدأ لم يرتبط بإدارة أمريكية بعينها، بل أصبح جزءًا من التفكير الاستراتيجي الأمريكي المتواصل.
كما أن أهمية الخليج لا تنبع من النفط وحده، وإنما من موقعه في قلب شبكة التجارة الدولية، الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب ثم قناة السويس. ومن هنا فإن استقرار هذه الممرات لم يعد شأنًا إقليميًا، بل مصلحة عالمية تشترك فيها الدول الصناعية الكبرى والدول الصاعدة على حد سواء. ويزداد هذا البعد أهمية مع احتدام المنافسة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، في ظل اعتماد الاقتصاد الصيني بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من هذه المنطقة، وما يرتبط بذلك من مشروعات النقل والتجارة العابرة للقارات.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين امتلاك القوة وبين كيفية استخدامها. فحتى لو افترضنا أن إيران دولة قوية؛ إذ من حق كل دولة أن تمتلك من عناصر القوة ما يحمي أمنها ومصالحها. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة من وسيلة للدفاع عن المصالح الوطنية إلى أداة لفرض الإرادة على الآخرين أو التحكم في حقوقهم ومصالحهم. وفي حالتنا هذه فإن الخلاف لا يعود مع دولة بعينها، وإنما يصبح مع منظومة العلاقات الدولية التي قامت على احترام سيادة الدول وحرية الملاحة والالتزام بالقانون الدولي.
وفيما يتعلق بالقوة؛ من المفيد أيضًا استحضار بعض دروس التاريخ. فإيران دولة عريقة ذات حضارة عميقة الجذور دون أدنى شك، لكن التاريخ يظهر أن القوة العسكرية وحدها لم تكن كافية لترسيخ هيمنتها الإقليمية المستقرة والدائمة. فقد انتهى العصر الأخميني بسقوط الإمبراطورية الفارسية أمام الإسكندر الأكبر، ثم انهارت الدولة الساسانية أمام الفتح الإسلامي، ولم تستطع الدولة الصفوية فرض تفوقها على منافستها العثمانية، كما تعرضت لاحقًا لغزو أفغاني أدى إلى سقوطها. وفي العصر الحديث احتلت القوات البريطانية والسوفييتية إيران عام 1941 وأجبرت الشاه رضا بهلوي على التنازل عن العرش، كما انتهت الحرب العراقية الإيرانية، رغم قسوتها وطولها، دون أن تحقق إيران أهدافًا استراتيجية حاسمة. ولا يُقصد من استحضار هذه الوقائع التقليل من شأن إيران، وإنما التذكير بأن النفوذ المستدام لا يصنعه السلاح وحده، ولا يصنعه التهديد والابتزاز، بل يصنعه الاقتصاد القوي، والاستقرار الداخلي، والعلاقات المتوازنة مع الجوار، والقدرة على بناء الثقة الإقليمية.
إن شعوب الخليج لا تبحث عن الصدام مع إيران، ولا ترى مصلحة في استمرار التوتر، بل كانت وما زالت من أكثر الأطراف حرصًا على الحوار والاستقرار. غير أن هذا الحرص لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف، كما أن احترام حسن الجوار لا يعني القبول بسياسات الابتزاز أو فرض الأمر الواقع أو تحويل الممرات الدولية إلى أدوات للابتزاز والمساومة السياسية.
إن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ليست قابلة لإعادة الرسم بالقوة، كما أن النظام الدولي لا يسمح لأي دولة، بأن تحتكر أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز ليس ممرًا إيرانيًا، بل ممر دولي، وأمنه مسؤولية جماعية، وحرية الملاحة فيه مصلحة عالمية لا تخص دولة بعينها. وكل محاولة لتحويله إلى أداة ضغط أو ابتزاز لن تؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والخسائر، ولن تغيّر الحقائق التي استقرت عليها المنطقة منذ عقود.