facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إعادة صنع الوعي الوطني


د. م. محمد الدباس
18-07-2026 12:08 PM

ليس كل من غادر المسؤولية أصبح شاهداً محايداً على التاريخ، فقبل أيام كنتُ مدعواً لجلسة ضمّت عدداً من الشخصيات التي شغلت مواقع متقدمة في الدولة؛ توقعت أن أستمع إلى رؤى تعزز الثقة بالأردن وتستند إلى خبرة سنوات طويلة في إدارة الشأن العام، لكن ما سمعته من بعضهم كان صادماً. لم يكن الحديث عن نقد السياسات أو مراجعة الأخطاء، بل عن خطاب يغلب عليه الإحباط، عندها أدركت أن أصعب ما نواجهه اليوم ليس أزمة اقتصادية أو سياسية، بل أزمة في إعادة تشكيل (الوعي الوطني). كما أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الدول ليس حصاراً إقتصادياً ولا أزمة مالية، ولا حتى تهديداً أمنياً. الأخطر من ذلك كله أن يُعاد تشكيل وعي مواطنيها على يد أشخاص كان يُفترض أنهم (حراساً) للدولة، فإذا ببعضهم -بعد مغادرة مواقع المسؤولية- يتحولون إلى (مروجين) لروايات محبطة بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

في الأردن، لم يعد (بعض) المسؤولين السابقين يكتفون بانتقاد الحكومات أو السياسات وهو حق قانوني مشروع، بل تجاوز بعض الخطاب حدود النقد إلى التقليل من هيبة الدولة نفسها، وكأن الوطن لم يحقق إنجازاً ولم يبنِ مؤسسة، ولم يصمد أمام التحديات. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل هذا نقد للإصلاح، أم إعادة صياغة لذاكرة الأردنيين؟ فمن غير المنطقي أن يتحول من كان شريكاً في صنع القرار إلى قاضٍ يقف متفرجاً، يوزع الأحكام وكأنه لم يكن يوماً ما جزءً من هذا القرار.

لا أحد ينكر أن الأردن يواجه تحديات إقتصادية كبيرة، وأن المديونية والبطالة وتراجع معدلات النمو، وضرورة قصم دابر الفساد (أنّا وُجد) جميعها ملفات تستوجب المعالجة الجادّة. لكن اختزال تاريخ الدولة بهذه التحديات، وتجاهل قدرتها على الإستمرار بالصمود هو قراءة (إنتقائية) لا تخدم الحقيقة، بل تصنع حالة من الإحباط (الجمعي).

إن الفرق كبير بين معارضة السياسات وتقويض الثقة بالدولة. فالحكومات تتبدل والوزراء يرحلون والمجالس تتغير، أما الأردن فهو الكيان الذي يستحق أن يبقى فوق الحسابات الشخصية، وفوق الرغبة في تسجيل المواقف الإعلامية. فالوطن ليس (منصة) لتصفية الحسابات سواءً (باللمز أو الهمز)، ولا وسيلة لإستعادة الحضور السياسي.

إن معركة الأردن اليوم ليست (معركة إقتصاد فقط) بل (معركة وعي). فهناك من يحاول إقناع المواطن بأن لا شيء يستحق الفخر، وأن كل ما تحقق كان وهماً، وأن المستقبل أكثر قتامة من الماضي. وهذا أخطر ما يمكن أن يُزرع في وجدان أي شعب، لأن الدولة التي يفقد أبناؤها الثقة بها، تصبح عرضة للضمور أكثر من أي تهديد خارجي.

خلاصة القول، إن إعادة (صنع الوعي) الأردني أصبحت مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ بخطاب حكومي سياسي مسؤول وإعلام مهني، ونخب تدرك أن الكلمة ليست مجرد رأي، بل قد تكون أداة بناء أو معول هدم. فالنقد الحقيقي هو الذي يفتح أبواب الإصلاح، أما جلد الوطن والتقليل من منجزاته، والتشكيك الدائم بقدرته على النهوض، فلا يصنع معارضة وطنية، بل يصنع جيلاً يصدق أن وطنه لا يستحق الدفاع عنه. وعندها لا يكون الخاسر حكومة أو مسؤولاً، بل قد يكون الخاسر هو الأردن نفسه!.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :