facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الناقل الوطني: أزمة أرقام أم أزمة رواية؟


الدكتور فيصل الحياري
18-07-2026 03:36 PM

من منطلق خبرتي في الاقتصاد ومتابعتي المستمرة للمشاريع الاستراتيجية التي تؤثر في مسار الاقتصاد الأردني، يستوقفني ما رافق ملف الناقل الوطني خلال الفترة الأخيرة من تضارب في الأرقام الرسمية، وعدم الكشف حتى الآن عن التفاصيل المالية الكاملة لبنود العطاء. فالجدل الذي أثير لم ينشأ عن خلاف على أهمية المشروع، بل عن تباين في التصريحات المتعلقة بالكلفة والتمويل والعائد المتوقع وحصة الفرد من المياه ومستقبل العبء المالي على الخزينة.

توزّع النقاش بين تصريحات الوزيرين السابق والحالي، وما كتبه الرجوب، وقراءة الدكتور ثابت المومني المتحفظة على المشروع، وسلسلة مقالات نشرها البروفيسور عبدالله سرور الزعبي في صحيفة الغد، وتصريحات وزارة المياه والمدير الفني للمشروع بتاريخ 5/7/2026، ومقال الصحفي سلامة الدرعاوي "لماذا ارتفعت كلفة الناقل الوطني؟". والسؤال المشروع هنا، لا يتعلق بضمون المشروع نفسه، لا بل في طريقة عرضه وتقديمية للرأي العام؟

في ملف الكلفة، تراوح الحديث بين تقدير يقارب 3.66 مليار دولار وآخر وصل إلى نحو 5.8 مليار دولار، مع كلف التمويل، بينما تحدثت تصريحات رسمية عن تخفيضات كبيرة نتيجة المفاوضات وإعادة الهيكلة. والمشكلة هنا ليست في الرقم النهائي بقدر ما هي في تعريفه: هل نتحدث عن الكلفة الرأسمالية؟ أم كلفة التمويل؟ أم الكلفة الكلية طوال فترة الامتياز؟ أسئلة مماثلة أثيرت حول حصة الفرد من المياه في ضوء النمو السكاني والفاقد المائي، وحول حجم مساهمة الخزينة ومصادر التمويل وأثر المشروع على مديونية قطاع المياه والدين العام.

المومني قد يكون غير مقتنع بأن المشروع سيمثل نقلة نوعية، ويطرح بدائل من بينها المياه الجوفية العميقة. أما الزعبي، أحد أبرز الداعمين للمشروع منذ سنوات، فلم يتناول ارتفاع الكلفة كتعليق عابر، بل قدّم قراءته الاستراتيجية له قبل أن يشتعل الجدل الحالي بوقت طويل، عبر مقالات متعددة في صحيفة الغد وورقة قدّمها في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية. وخطه العام واضح: الناقل الوطني ليس مشروع مياه، بل مشروع سيادي يرتبط بموقع الأردن في معادلة الأمن المائي الإقليمي. فهو لا يبدأ من سؤال كم سيكلف؟، بل من سؤال أعمق: ماذا يعني هذا المشروع للأردن؟

من هنا جاءت عبارة الزعبي اللافتة للنظر بأن المشروع ينقل الأردن من "موقع المقيَّد" إلى موقع "الفاعل شبه المستقل"، وهي ليست عبارة إنشائية، بل تلخيص لفكرة أن امتلاك القدرة على إنتاج المياه يغيّر موقع الدولة في بيئتها الإقليمية. فالناقل الوطني، وفق هذه الرؤية، لا يضيف 300 مليون متر مكعب من المياه فحسب، بل يضيف قدرة استراتيجية على إدارة أخطر تحديات الأردن المستقبلية. وعنوان أحد مقالاته، "مع الناقل الوطني بكل قناعة ومع الشفافية بلا تنازل"، يختصر موقفه: دعم كامل للمشروع، ومطالبة كاملة بالشفافية حوله، موقفان قد يبدوان متعارضين، لكنهما في الحقيقة متكاملان. فهو لا يسأل من موقع الرافض، بل من موقع من يدرك أن المشاريع الممتدة لعقود، والمحمّلة بأعباء مالية كبيرة، لا تحميها النوايا وحدها بل تحميها الحوكمة.

وأسئلته محددة: كيف احتُسبت الكلفة النهائية؟ ما الفرق بين الكلفة الرأسمالية وكلفة التمويل والكلفة الكلية خلال فترة الامتياز؟ كيف ستتأثر حصة الفرد بالنمو السكاني المتوقع؟ وما حجم العبء الحقيقي على الخزينة؟ فالكلفة، بحسب ما طرحه، تشمل عناصر متعددة: محطة تحلية، وشبكة أنابيب بطول 450 كيلومترًا، ومحطة طاقة، ومضخات لرفع المياه نحو 1100 متر ونقلها إلى عمّان، وخزانات على طول الخط، وأعمال لوجستية وإدارية، وهو ما يفسّر جزئيًا الفارق بين التقدير الأول عند 3.66 مليار دولار (حين جُهّز عطاء المشروع بمواصفاته الفنية كاملة، حسب الوزير السابق) والرقم الحالي البالغ نحو 5.8 مليار دولار مع كلف التمويل، مع إشارات من بعض المختصين إلى احتمال ارتفاعه أكثر بكثير من ذلك.

أما الدرعاوي، من زاوية مختلفة، فركّز في مقاله على تفسير التحول الذي نقل المشروع من تصوره الأولي عام 2016 إلى منظومته المتكاملة الحالية، موضحًا أن المشروع لم يعد يقتصر على نقل المياه، بل يشمل إنتاجها عبر التحلية ومنظومة نقل وضخ ضخمة ومكونات طاقة مرتبطة بالتشغيل. كما أشار إلى عوامل عالمية أثّرت على الكلفة: التضخم، وارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وهي عوامل حقيقية تتطابق مع تصريحات الوزارة بتاريخ 5/7/2026. لكن قراءته أجابت عن سؤال:لماذا ارتفعت الكلفة من عام 2016؟ (ونذكر هنا بان الحديث لا يدور عن عام 2016، كون الفكرة لم تكن عن بناء محطة تحلية، بل عن عام 2023، عندما اكتملت فكرة المشروع)، دون أن تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية: ما حجم مساهمة كل عامل في هذا الارتفاع؟ وهنا يظهر الفرق بين تفسير التغيّر وتفكيك عناصر المشروع؛ فبينما تحرك مقال الدرعاوي إلى حد كبير ضمن الإطار التفسيري الذي قدمته وزارة المياه، وهو تفسير انشائي، ذهب الزعبي إلى مستوى آخر: لم يكتفِ بالسؤال عن أسباب التغيّر، بل حاول تفكيك الأرقام نفسها ومنهجية احتسابها والعلاقة بين مختلف التقديرات الرسمية.

الأمر إذن لا يتعلق بمن هو مع المشروع ومن هو ضده، فكلاهما ينطلق من التسليم بأهميته، بل باختلاف زاوية القراءة: الدرعاوي يشرح لماذا أصبح المشروع مختلفًا عمّا كان، والزعبي يسأل ماذا يعني هذا الاختلاف للأردن، وكيف تُضمن وضوح كل تبعاته. وقد يكون اختلاف الأرقام ناتجًا، في جزء منه، عن اختلاف التعريفات: فالكلفة الرأسمالية ليست الكلفة مع التمويل، وكلفة الإنشاء ليست كلفة فترة الامتياز كاملة. لكن المشكلة تبدأ حين لا تُشرح هذه الفروقات للرأي العام، فيتحول الاختلاف الفني إلى التباس عام.

الحل ليس في الدفاع عن رقم بعينه، بل في نشر الصورة الكاملة: كلفة محطة التحلية، وخطوط النقل، ومحطات الضخ، ومحطة الطاقة، والتمويل، ومساهمة الخزينة، وحجم المنح، وأثر المشروع على التعرفة، والسيناريوهات المتوقعة حتى عام 2040، وهي أسئلة مشروعة طرحها الزعبي، ونتفق معه فيها. عندها فقط يصبح النقاش أكثر نضجًا، لأن الجميع يناقش الحقائق نفسها.

ربما يكون أكبر خطأ في قراءة الناقل الوطني هو اختزاله في كمية المياه التي سينتجها، فقيمته الحقيقية تكمن في أنه يمثل تحولًا في طريقة تعامل الأردن مع تحدي المياه: من الاعتماد الكامل على الظروف الطبيعية إلى امتلاك قدرة صناعية على إنتاج المياه. والدرس الأهم من هذا النقاش أن الأردن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة الدفاع عن المشروع إلى مرحلة توثيقه. وأرى أن الإجابة على الأسئلة المطروحة في مقال الزعبي الأخير "مع الناقل الوطني بكل قناعة ومع الشفافية بلا تنازل" يمكن أن تشكل وثيقة رسمية شاملة، قد ترقى إلى أن تكون "كتابًا أبيض" للناقل الوطني، يتضمن: الوصف الكامل لمكونات المشروع، والكلفة الرأسمالية الدقيقة، وكلفة التمويل والفوائد، والكلفة الإجمالية خلال فترة الامتياز، ومصادر التمويل ونسبة كل جهة، والتزامات الخزينة، والافتراضات السكانية والمائية حتى عام 2040، وأثر خفض الفاقد المائي، ومؤشرات الأداء المتوقعة بعد التشغيل.

مثل هذه الوثيقة لن تكون استجابة لأسئلة الزعبي فحسب، بل حماية للمشروع نفسه؛ ومطلب الشارع الاردني بالكامل، فالمشاريع الكبرى لا تضعف عندما تُطرح حولها الأسئلة، بل تضعف حين تبقى الإجابات ناقصة. ولا تعارض بين القناعة بأهمية المشروع والمطالبة بأعلى درجات الشفافية حوله؛ بل العكس هو الصحيح: كلما ازدادت أهمية المشروع، ازدادت الحاجة إلى الشفافية. فالناقل الوطني ليس مجرد أنابيب ومحطات تحلية، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة مشروع استراتيجي يمتد أثره لعقود، وإذا كان الهدف، كما يراه الزعبي، هو الانتقال من إدارة الندرة إلى صناعة القدرة، فإن الخطوة الأولى نحوه هي بناء الثقة بالحقيقة الكاملة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :