لسانك حصانك إذا صنته صانك ..
السفير جمعة العبادي
18-07-2026 03:39 PM
* ضبط البوصلة الوطنية مسؤولية لا تسقط بمغادرة المنصب
* تداعيات التصريحات اللامسؤولة التي تنتقص من مكانة الوطن وتمس مواطنيه
في زمن تتجاوز فيه الكلمة حدود المكان والجغرافيا، وتنتقل في لحظات إلى مختلف أرجاء العالم، لم يعد التصريح الإعلامي مجرد رأي عابر أو دعابة أو زلة لسان ، بل أصبح جزءًا من الأمن الوطني، وعنصرًا مؤثرًا في صورة الدولة، ومكانتها، ومصالحها السياسية والاقتصادية. فالكلمة اليوم قد تعزز الثقة بالدولة، وقد تضعفها، وقد تبني جسورًا من الاحترام، أو تفتح أبوابًا للتشكيك والتأويل والاستغلال.
ومن هنا تأتي مقولة “لسانك حصانك إذا صنته صانك، وإن خنته خانك” قاعدة أخلاقية ووطنية في آن واحد. فالكلمة ليست مجرد حق في التعبير وحرية الرأي ، وإنما أمانة ومسؤولية، تزداد ثقلاً كلما ارتقى موقع قائلها، ، وتعاظمت مكانته في الدولة.
وإذا كان المواطن العادي يعبر عن رأيه بصفته الشخصية ، فإن المسؤول السابق لا يتحدث في نظر الرأي العام المحلي أو الدولي بهذه الصفة ، بل يُنظر إليه باعتباره من رجال الدولة الذين واكبوا تفاصيل العمل العام، وأسهموا في صناعة القرار ، وعليه فإن أي تصريح يصدر عنهم يُقرأ باعتباره مؤشرًا على واقع الدولة أو انعكاسًا لسياساتها، حتى وإن كان يعبر عن رأي شخصي لا يمثل الموقف الرسمي.
إن مغادرة الوظيفة العامة لا تعني مغادرة المسؤولية الوطنية. فالمناصب تكليف مؤقت، أما الانتماء للوطن فهو عهد وثيق والتزام دائم، ورجل الدولة يظل مطالبًا، في كل مواقفه، بأن يزن كلماته بميزان المصلحة الوطنية، وأن يدرك أن هيبة الدولة وسمعتها ومكانتها ليست ملكًا لحكومة أو مؤسسة، وإنما هي رصيد وطني راكمته أجيال متعاقبة من الأردنيين، بذلوا في سبيله جهودًا وتضحيات.
في الآونة الأخيرة صدرت العديد من التصريحات من بعض المسؤولين السابقين، تجاوز بعضها حدود النقد المسؤول، وانطوى على تعميمات وأوصاف وأحكام تنتقص من مكانة الوطن وتمس كرامة المواطنين وتشكك في أداء مؤسسات الدولة. ومهما كانت النوايا أو الدوافع، فإن المعيار الحقيقي يبقى في أثر الكلمة ونتائج تداعياتها ، لا في مقصد قائلها.
ففي عالم التدفق الإعلامي ، لا تُنقل التصريحات كاملة، بل كثيرًا ما تُجتزأ من سياقها، وتُقتطع منها العبارات الأكثر إثارة، ثم تُعاد صياغتها وتوظيفها في عناوين مثيرة وتقارير إعلامية أو حملات سياسية تستهدف الدولة، حتى تبدو وكأنها اعترافات صادرة من داخلها. وهذا ما يجعل الكلمة غير المنضبطة تتحول، ربما دون قصد، إلى أداة يستثمرها المتربصون للإساءة إلى الوطن وتقويض الثقة بمؤسساته.
والأخطر من ذلك، أن الانتقاص من مكانة الوطن لا يقف عند حدود الإساءة المعنوية، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد والاستثمار والسياحة والعلاقات الدولية، ويؤثر في الصورة الذهنية للدولة لدى الرأي العام العالمي، ويمنح خصومها مساحة أوسع للتشكيك في استقرارها أو التشويش على مواقفها السياسية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية . وقد لمست ذلك خلال عملي الديبلوماسي في عدد من الدول الشقيقة والصديقة ، وما واجهناه من عناء وتحديات ونحن نوضح أو نفند بعض التصريحات أو التقارير التي تنطوي على تشكيك أو معلومات خاطئة ومسيئة تضر بمواقف بلدنا السياسية والاقتصادية ، وكان الرد دوماً يشير إلى تصريحات وتقارير منسوبة لمصادر أردنية ، بمعنى "من فمك أدينك " .
أما المساس بالمواطن الأردني أو التقليل من وعيه أو انتمائه أو قدراته، فهو مساس بأحد أهم مرتكزات الدولة ، فالمواطن هو الشريك الحقيقي في بناء الوطن، وهو مصدر صموده ومنعته، ولا يجوز أن يكون هدفًا لخطاب يزرع الإحباط أو يقلل من قيمة الإنجازات الوطنية التي تحققت بجهود الجميع.
لقد استطاع الأردن بحكمه قيادته الهاشمية الرشيدة أن يحافظ على مكانته المرموقة في محيط إقليمي بالغ التعقيد، وأن يكون صوتًا للحكمة والاعتدال، ومدافعًا صلبًا عن قضايا الأمة العادلة ، وعن مبادئ الشرعية الدولية والسلام العادل، واحترام سيادة الدول. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا تماسك الجبهة الداخلية، وكفاءة مؤسسات الدولة، واحترافية القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية الباسلة والدبلوماسية الأردنية النشطة ، التي حملت رسالة الوطن إلى مختلف المحافل الدولية.
إن هذه المكانة ليست مكسبًا سياسيًا فحسب، بل هي ثروة وطنية يجب أن تصان، لأنها تمثل رأس مال الأردن المعنوي والسياسي في عالم شديد الاضطراب. ومن هنا، فإن المحافظة عليها مسؤولية جماعية، تبدأ بالكلمة، ولا تنتهي بالموقف.
ولا يتعارض ذلك مع حق المواطنين أو المسؤولين السابقين في التعبير وإبداء الرأي أو ممارسة النقد، فالنقد البنّاء ضرورة للإصلاح، وهو مظهر صحّي من مظاهر الدولة الواثقة المنيعة .وغني عن القول أن النقد المسؤول يختلف جذريًا عن الخطاب الذي يهدم الثقة، أو يطلق الأحكام العامة، أو يسيء إلى صورة الوطن ومواطنيه. فحرية التعبير قيمة راسخة، لكنها تقترن دائمًا بالمسؤولية، وباحترام المصلحة الوطنية ، وبالإدراك العميق لآثار الكلمة في الداخل والخارج.
لقد أثبتت التجارب أن الدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الجيوش والتراسانات العسكرية والاقتصادات القوية ، وإنما أيضًا تلك التي تمتلك خطابًا وطنيًا مسؤولًا، ونخبًا سياسية وفكرية وإعلامية تدرك أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف مع الوطن، وأن معارضة السياسات لا يجوز أن تتحول إلى انتقاص من إنجازات ومكتسبات الدولة أو التقليل من شأن مواطنيها والتعريض والمس بتاريخها ومسيرتها .
ولعل هذا ما أكده جلالة الملك في مناسبات عديدة مشدداً على أن الوحدة الوطنية هي مصدر قوة الأردن ومنعته، وأن حماية الوطن مسؤولية يتقاسمها الجميع ، فهذه ليست مجرد عبارة سياسية، بل مبدأ دستوري وأخلاقي يؤكد أن الحفاظ على هيبة الدولة، وصون مؤسساتها، وتعزيز الثقة بها، واجب وطني يقع على عاتق كل أردني، وفي مقدمتهم من سبق لهم أن حملوا شرف المسؤولية العامة.
ويبقى الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب وحب الظهور ، وأسمى من الخلافات العابرة. فالمناصب تزول، أما الكلمة فتبقى، والتاريخ لا يخلد أصحاب المناصب بقدر ما يخلد أصحاب المبادئ والمواقف .
وفي الختام، فإن استحضار مقولة “لسانك حصانك إذا صنته صانك، وإن خنته خانك” ليس مجرد استدعاء لقول مأثور ، بل هو دعوة متجددة إلى أن تبقى البوصلة متجهة نحو الأردن، وأن تكون الكلمة حصنًا للوطن لا ثغرة فيه ، وجسرًا للوحدة لا سببًا للانقسام ، ورسالةً تعزز مكانة الدولة وتحفظ كرامة مواطنيها .
الأردن يستحق من جميع أبنائه، ولا سيما ممن تشرفوا بخدمته في مواقع المسؤولية، أن يكونوا سفراء وناطقين له في أقوالهم، كما كانوا في مناصبهم ، وأن يظل الولاء للوطن فوق كل اعتبار، لأن قوة الأردن كانت وستبقى في وحدته، وفي وعي شعبه، وفي التفافه حول قيادته الهاشمية، وفي إعلاء المصلحة الوطنية على ما سواها .
حفظ الله الأردن ، وطن الأنقياء والشرفاء ، قوياً عزيزاً منيعاً عصياً على كيد الكائدين المتخاذلين الناكرين .