المخادمة .. حين فاز الأردن بكأس العالم
د. صالح سليم الحموري
18-07-2026 05:23 PM
هناك انتصارات لا تُقاس بالميداليات، ولا تُسجل في جداول البطولات، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة الوطن.
قد لا يحمل الأردن كأس العالم بين يديه، لكن لحظة اختيار الحكم الدولي الأردني أدهم المخادمة ضمن طاقم التحكيم في نهائيات كأس العالم كانت انتصارًا أردنيًا من نوع آخر... انتصارًا لا يُمنح إلا للأفضل.
في كرة القدم، قد يحلم أي منتخب بالتأهل إلى المونديال، لكن أن يختارك الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لإدارة مباريات أكبر بطولة على وجه الأرض، فذلك ليس حلمًا، بل شهادة عالمية بالكفاءة والنزاهة والاحتراف. فالتحكيم في كأس العالم لا يعرف المجاملة، بل يمر عبر سنوات من الاختبارات الدقيقة والتقييم المستمر، حتى لا يصل إلى هذه المنصة إلا نخبة حكام العالم.
لذلك، فإن اختيار المخادمة ليس إنجازًا شخصيًا فحسب، بل إنجاز وطني يؤكد أن الأردن لا يصدّر المواهب الرياضية فقط، بل يصدّر الثقة والكفاءة والعدالة. وقد أصبح أول حكم ساحة أردني يقود مباريات في نهائيات كأس العالم، امتدادًا لمسيرة التحكيم الأردني التي بدأت بحضور الحكم المساعد الراحل عوني حسونة في مونديال 2002.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة؛ فالمخادمة يحمل الشارة الدولية منذ عام 2013، وخاض عشرات المباريات القارية والدولية، حتى استحق مكانه بين أفضل حكام العالم. والأهم أن مشاركته لم تكن حضورًا بروتوكوليًا، بل أثبت فيها كفاءة عالية جعلت "فيفا" يواصل منحه الثقة لإدارة مباريات متقدمة في البطولة، في تأكيد واضح على المكانة التي بلغها التحكيم الأردني.
ربما لم يرفع الأردن كأس العالم كلاعبين... لكنه رفعها حكمًا.
ففي زمن أصبحت فيه الثقة عملة نادرة، منح العالم ثقته لرجل أردني كي يكون حارسًا للعدالة في أهم بطولة كروية، وهذه بطولة لا تقل قيمة عن أي لقب.
وهذا الإنجاز يحمل رسالة لكل شاب أردني: الطريق إلى العالمية لا يمر من باب واحد؛ فقد تصله بعلمك، أو مهنتك، أو التزامك، أو ضميرك، فالنجاح لا تحدده زاوية الوقوف في الملعب، بل القيمة التي تضيفها إليه.
واليوم، كما احتفل الأردنيون بتأهل النشامى إلى كأس العالم، يحق لهم أن يحتفلوا أيضًا بأحد أبنائهم الذي وصل إلى قلب الحدث العالمي، لا متفرجًا، بل صانعًا للعدالة. ويستحق أدهم المخادمة استقبال الأبطال وتكريمهم، لأنه حمل إلى العالم اسم الأردن وقيمه، وأثبت أن الأوطان لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تسجلها، بل بعدد أبنائها الذين يقف العالم احترامًا لكفاءتهم.
أدهم المخادمة... لم يحمل إلى كأس العالم صافرة حكمٍ فقط، بل حمل الأردن كله إلى منتصف الملعب.