حريق فلورايد الألمنيوم في العقبة .. هل أنقذتنا الاحترافية من كارثة أكبر؟
د. نضال المجالي
18-07-2026 11:32 PM
في الأخبار خلال سفري قبل أيام، بدا المشهد مطمئناً، حريق اندلع في مخازن مصنع فلورايد الألمنيوم التابع لشركة تتربع وسط المنطقة الصناعية الجنوبية بالعقبة، واستجابت فرق الدفاع المدني والشرطة والجهات المعنية بسرعة، وتمت السيطرة على الحريق وإخماده، ثم تنفيذ عمليات التبريد وعودة الأعمال تدريجياً، هذا ما أكدته سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، التي عزت نجاح العملية إلى التنسيق المسبق وتفعيل خطة الطوارئ الرئيسية بين جميع الجهات المختصة.
لكن قراءة الحادث ينبغي ألا تتوقف عند نجاح عملية الإطفاء، وتتجاوز حتى لجنة التحقيق المكلفة بالخصوص، بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأهم: لماذا نقصر ونقبل التبرير مرتكزين على جاهزية الدفاع المدني؟ وماذا لو تأخر التدخل دقائق إضافية لظروف أصعب؟ وهل كانت المنطقة ستواجه مجرد حريق صناعي، أم كارثة ذات آثار يصعب احتواؤها؟ وهذه أسئلة مشروعة مقابل تكرار الحوادث هناك.
الإجابة تبدأ من طبيعة الموقع نفسه، فالحريق لم يقع في منشأة صناعية عادية، بل في مصنع كيماوي أساسي، وهي صناعة تعتمد على مركبات فلورية، ويمثل فلوريد الهيدروجين (HF) أهم المواد المستخدمة فيه، والمعروفة عالمياً بخطورتها العالية، كغاز شديد السمية والتآكل، يسبب إصابات خطيرة للجهاز التنفسي والجلد والعينين إذا انطلق بكميات مؤثرة، ومع ذلك، يجب التأكيد على أنه لا توجد أي معلومات رسمية تفيد بحدوث انبعاث لغاز HF في هذا الحريق تحديداً، ولا ينبغي الجزم بذلك قبل صدور نتائج التحقيق الفني، وإن صدرت أتمنى نشرها.
ورغم ذلك، فإن مجرد وجود مثل هذه المواد في أي منشأة صناعية يفرض أعلى درجات الاستعداد، لأن إدارة المخاطر لا تقوم على التعامل مع ما حدث فقط، وإنما مع ما كان يمكن أن يحدث.
وهنا تبرز القيمة الحقيقية لإنشاء مركز الدفاع المدني المتخصص في المنطقة الصناعية الجنوبية، والذي كنت يوما ممن ناقش وتابع بدايات إنشائه، وأرسل بمتابعة واهتمام معالي وزير الداخلية ورئيس سلطة العقبة وقتها كتب الدعم رسميا لتعزيز إقامته، فالحادث أثبت عملياً أن الاستثمار في الجاهزية والتدريب والتخصص ليس ترفاً إدارياً، بل هو عنصر أساسي في حماية الأرواح والمنشآت والاقتصاد الوطني، فالاحترافية التي أظهرتها فرق الدفاع المدني ربما لم تمنع خسائر مادية فحسب، بل ربما حالت دون انتقال الحريق إلى منشآت أخرى تحتوي مواد كيميائية خطرة.
لكن القضية الأهم تتجاوز هذا الحريق نفسه، فالمنطقة الصناعية الجنوبية في العقبة تضم عدداً كبيراً من الصناعات والمنشآت التي تتعامل مع مواد خطرة، بعضها يخزن كميات كبيرة من الأمونيا، وأخرى تتعامل مع الأحماض والمواد الكيماوية المختلفة، وكل منشأة قد تكون ملتزمة باشتراطات السلامة، إلا أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكل منشأة على حدة، بل بمجموع المخاطر المتراكمة داخل منطقة واحدة.
في علوم السلامة الصناعية يوجد مفهوم معروف يسمى “تأثير الدومينو”، ويعني أن حادثاً في منشأة واحدة قد يؤدي إلى سلسلة من الحوادث في المنشآت المجاورة إذا كانت المسافات الفاصلة غير كافية أو كانت كثافة المواد الخطرة مرتفعة، ولذلك فإن الدول الصناعية لا تكتفي بتقييم سلامة كل مشروع منفرداً، بل تقيّم أيضاً الأثر التراكمي لجميع المشاريع الموجودة ضمن المنطقة نفسها.
ومن هنا يصبح من حق المجتمع أن يتساءل: عندما تُطرح مشاريع توسعة جديدة في المنطقة الصناعية الجنوبية، أو إنشاء خزانات إضافية للأمونيا أو غيرها من المواد الخطرة كما هو الحال اليوم، هل تقتصر الموافقات على استيفاء المشروع لشروطه الفنية فقط؟ أم تُجرى أيضاً مراجعة مستقلة ومحدثة للمخاطر التراكمية التي أصبحت تتحملها المنطقة بأكملها؟ وإن كانت إجابتهم بالتأكيد نعم، وكانت إيجابية، فعن أي إيجابية واستثمار وسلامة تتحدثون ومن منحها؟ وهل ما زالت البنية التحتية وخطط الطوارئ قادرة على مواكبة هذا التوسع المستمر؟
هذه ليست دعوة إلى وقف الاستثمار، فالعقبة هي بوابة اقتصادية للأردن، والصناعة فيها ضرورة وطنية، لكنها دعوة إلى أن يكون الاستثمار متوازناً مع السلامة العامة، وأن يكون معيار النجاح ليس عدد المشاريع الجديدة فقط، بل أيضاً قدرة المنطقة على استيعابها بأمان، وخصوصا الشركة التي تتكرر حوادثها بشكل يسيء لباقي أركان المنظومة الصناعية الكفؤة حولها.
وربما يكون أخطر ما نفعله بعد كل حادث هو الاكتفاء بالتحقيق وعقوبة أشبه بعقوبة طالب مدرسي لم يقم بتسليم واجبه، أو بالقول: “هذا قضاء وقدر”. لنحسب أياما بسيطة قبل وقوع الحادث الذي يليه، فالإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع مسؤولية الإنسان والشركات في منع أسباب الكوارث، نحن من يحدد مواقع المصانع، ونحن من يوافق على التوسعات، ونحن من يقرر مواقع الخزانات، ونحن من يضع اشتراطات السلامة، ونحن من نفصل التجاوزات باحترافية، ونحن أصلا من يمتلك تقارير تفيد بعظم الخطر لخزانات قديمة! وبالتالي، فإن الحد من المخاطر هو أيضاً جزء من المسؤولية الوطنية.
لقد أثبت حريق في جزء من مصنع فلورايد الألمنيوم أن الأردن يمتلك فرقاً محترفة قادرة على إدارة الحوادث الصناعية بكفاءة عالية، وهذا أمر يستحق التقدير، لكنه أيضا يؤكد بقاء جهة إحداث كل خطر في موقعها، ولنتذكر أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة إخماد الحريق، بل بقدرتنا على طرح الأسئلة الصعبة قبل الحريق التالي والتالي أو حتى التالي الذي لا ينتهي: هل أصبح تركيز الصناعات الخطرة في المنطقة الجنوبية يقترب من الحد الذي يوجب إعادة تقييم شاملة؟ وهل سنستمر في إضافة مصادر جديدة للخطر، أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة التوسع الصناعي، حتى لا يأتي يوم يصبح فيه ما نصفه بـ”القضاء والقدر” نتيجة مباشرة لقرارات بشرية كان بالإمكان مراجعتها قبل فوات الأوان؟
ولأصدقكم القول، كنت قد بدأت مقالي قبل التعديل بعنوان يقارن سيخ شاورما مطعم الهاشمية بمخازن مصنع وحدة الفلورايد وكيف أثار سيخ الشاورما اهتماما رسميا وتغطية إعلامية متلفزة وإلكترونية أوسع مقابل موقع حريق صناعي هو الأخطر والأعظم لولا لطف الله وأذرع الدفاع المدني المتخصص لكنا وكل استثمارات المنطقة الصناعية الجنوبية في سجلات الرحمن! فمتى سيتحدث الجميع عن مكامن الخطر الأكبر دون محاباة وأمزجة ومصالح خاصة؟
* مفوض السياحة والبيئة السابق في سلطة منطقة العقبة
الغد