facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قنطرة التواصل ..


عماد عواودة
19-07-2026 12:50 PM

لم تكن البيوت القديمة متجاورةً في المكان فحسب ، بقدر ما كانت متجاورةً في الحياة أيضاً ؛ كان الجدار يفصل بين بيتين ، لكنه لا يفصل بين قلبين ، وكانت الأزقة الضيقة أوسع من كثير من الشوارع الحديثة ؛ لأنها كانت تتسع للناس ، ولأفراحهم ، وأحزانهم ، وتعاونهم ؛ وفي ذلك الزمن ، كانت عبارة صغيرة مثل : « عِيرْني كتفك » تختصر فلسفةً كاملة في الجيرة والتكافل والانتماء .

كانت عبارة « عِيرْني كتفك » من العبارات المتداولة في الزمن القريب ، وكان لها في حياة الناس معنى يتجاوز ظاهر الكلمات ؛ فهي لم تكن طلباً لاستعارة كتفٍ يستند إليه المرء لحظةً ، وإنما كانت صورة من صور الجيرة التي كان فيها الجار أقرب من قريب ، والبيت امتداداً للبيت ، والناس يتسعون لبعضهم كما تتسع القلوب لمن تحب .

كانت المدن القديمة ، ولا سيما أحياءها المتقاربة ، تقوم على بيوت متلاصقة ، تفصل بينها طرقات ضيقة وأزقة ملتوية ، وكانت العائلات كبيرة وممتدة ، بينما كانت المساحات المخصصة للبناء محدودة ؛ وكان الناس يومئذٍ يعرف بعضهم بعضاً معرفةً عميقة ؛ يعرفون أفراح الجيران وأتراحهم ، ويعرفون أبناءهم وأحوالهم ، حتى لكأن الحي عائلة كبيرة ، ولكأن البيوت غرفٌ متجاورة في منزل واحد .

فإذا أراد رجل أن يزوّج ابنه ، وضاقت الدار بأهلها ، لم يكن أول ما يفكر فيه أن يخرج ابنه من الحي ، أو يستأجر له بيتاً بعيداً ، كما يحدث في أيامنا هذه ؛ لكنّه كان يذهب إلى جاره ، ويقول له في بساطة لا تعرف التكلف : « عِيرْني كتفك » .

كان معنى العبارة أن يسمح له بأن يقيم قنطرة تمتد من بيته إلى بيت جاره ، ترتكز على أحدهما من جهة ، وعلى الآخر من الجهة المقابلة، ثم تُبنى فوقها غرفة تكون مسكناً للعروسين .

لم يكن هذا الأمر يحتاج إلى عقود طويلة ، ولا إلى لجان ، ولا إلى معاملات معقدة ؛ كان يكفي أن يطرق الجار باب جاره ، وأن يقول : « عِيرْني كتفك » ؛ وغالباً ما كان الطلب يُجاب ، لأن الجار لم يكن يرى في بيته ملكاً معزولاً عن محيطه ، إنما كان يرى نفسه جزءاً من جماعة ، ويرى جاره جزءاً من حياته .

لم تكن العائلة الممتدة يومئذٍ مجرد تجمع من الأقارب تحت سقف واحد ، أو في بيوت متجاورة ؛ كانت مدرسةً اجتماعيةً مفتوحة ، ففيها كان الأبناء يتربون على أيدي آبائهم وأمهاتهم وأعمامهم وعماتهم وأجدادهم وجداتهم ، ويتعلمون من خلال الحياة اليومية معنى السلوك ، وحدود الأدب ، واحترام الكبير ، والعطف على الصغير ، والإنصات إلى النصيحة ، والالتزام بما تقتضيه الجماعة من أخلاق .

كان الطفل لا ينشأ وحيداً في عالمه الخاص ؛ فالعين التي تراقبه لم تكن عين والديه وحدهما ، والنصيحة التي تصله لم تكن من مصدر واحد ؛ وكان ذلك التداخل الاجتماعي يضبط السلوك قبل أن تتحول الأخطاء إلى عادات ، ويضع منظومة الأخلاق في سياق عملي يراه الطفل ويمارسه كل يوم .

كانت التربية الجماعية تحفظ للناس شيئاً من هويتهم الاجتماعية ؛ فالعائلة الممتدة تنقل العادات والقيم والقصص والذاكرة ، وتُبقي الإنسان متصلاً بجذوره ، عارفاً بمكانه في جماعته ، مدركاً أن وجوده ليس جزيرةً معزولة ، بل حلقة في سلسلة طويلة من الآباء والأبناء والأقارب .

وإنّ ذلك التداخل كان يمنح الإنسان أيضاً حصانةً اجتماعيةً ونفسيةً افتقدها كثير من الناس في عصرنا ؛ فالحياة وسط جماعة متقاربة كانت تفتح للإنسان أبواب الحديث واللقاء والمشاركة ، وتخرجه من قمقم الوحدة والانغلاق ، وتمنحه شعوراً بأنه مرئي ومسموع ومطلوب ؛ أما اليوم ، فقد يعيش الإنسان في بيت واسع ، وبين عشرات الجيران ، ثم لا يجد من يطرق بابه حين يحتاج إلى كلمة ، أو جلسة ، أو كتف .

وليس المقصود أن الماضي كان كاملاً ، أو أن كل ما مضى ينبغي أن يعود كما كان ؛ ففي الماضي أيضاً مشكلاته ونقائصه ؛ لكن من الإنصاف أن نعترف بأن منظومة العائلة الممتدة والجيرة المتقاربة كانت تخلق قدراً كبيراً من التعاون والتكافل والاندماج الاجتماعي ، وتمنح الأبناء فرصاً أوسع للتفاعل ، والمشاركة ، وتعلم الأخذ والعطاء .

من هذه القناطر التي أقامها الناس فوق الأزقة ، نشأت صورة من صور العمارة القديمة ؛ طرقات مسقوفة ، وغرف تعلو الممرات ، وأسواق ومحال تجارية تستظل بالقناطر ، حتى أصبح البناء نفسه شاهداً على طبيعة المجتمع الذي أنشأه .

كانت القنطرة تصل بين بيتين ، لكنها في الحقيقة كانت تصل بين قلبين ، وبين جارين .

ما أجمل أن تكون العمارة انعكاساً للأخلاق ! فكما كان الحجر يستند إلى الحجر ، كان الإنسان يستند إلى الإنسان ؛ وكما كانت القنطرة لا تقوم إلا بكتفين ، كان المجتمع لا يقوم إلا بالتعاون .

أما اليوم ، فقد اتسعت البيوت ، واتسعت المدن ، واتسعت المسافات بين الناس ؛ لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله هو : هل اتسعت القلوب بالقدر نفسه؟ ..

لقد كان الرجل قديماً يقول لجاره : « عِيرْني كتفك » ؛ فيمنحه جزءاً من بيته ، وربما جزءاً من عمره وطمأنينته ، أما نحن ، فقد أصبح لكل واحد منا بيت واسع ، وسور مرتفع ، وباب مغلق ، ومسافة طويلة تفصل بينه وبين جاره .

ولعلنا لم نفقد القناطر وحدها ؛ لعلنا فقدنا شيئاً من المعنى الذي جعل الناس يحتاج بعضهم إلى بعض ، ويجدون في الجيرة سنداً ، وفي القرب أماناً ، وفي العائلة الممتدة مدرسةً للحياة .

فما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد ذلك الكتف ؛ لا لنقيم فوقه غرفةً للعروسين ، بقدر أن نقيم عليه شيئاً من إنسانيتنا التي أخذت المدن الحديثة تهدمها ، حجراً بعد حجر .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :