لم تكن البيوت القديمة متجاورةً في المكان فحسب ، بقدر ما كانت متجاورةً في الحياة أيضاً ؛ كان الجدار يفصل بين بيتين ، لكنه لا يفصل بين قلبين ، وكانت الأزقة الضيقة أوسع من كثير من الشوارع الحديثة ؛ لأنها كانت تتسع للناس ، ولأفراحهم ، وأحزانهم ، وتعاونهم ؛ وفي ذلك الزمن ، كانت عبارة صغيرة مثل : « عِيرْني كتفك » تختصر فلسفةً كاملة في الجيرة والتكافل والانتماء .
كانت عبارة « عِيرْني كتفك » من العبارات المتداولة في الزمن القريب ، وكان لها في حياة الناس معنى يتجاوز ظاهر الكلمات ؛ فهي لم تكن طلباً لاستعارة كتفٍ يستند إليه المرء لحظةً ، وإنما كانت صورة من صور الجيرة التي كان فيها الجار أقرب من قريب ، والبيت امتداداً للبيت ، والناس يتسعون لبعضهم كما تتسع القلوب لمن تحب .
كانت المدن القديمة ، ولا سيما أحياءها المتقاربة ، تقوم على بيوت متلاصقة ، تفصل بينها طرقات ضيقة وأزقة ملتوية ، وكانت العائلات كبيرة وممتدة ، بينما كانت المساحات المخصصة للبناء محدودة ؛ وكان الناس يومئذٍ يعرف بعضهم بعضاً معرفةً عميقة ؛ يعرفون أفراح الجيران وأتراحهم ، ويعرفون أبناءهم وأحوالهم ، حتى لكأن الحي عائلة كبيرة ، ولكأن البيوت غرفٌ متجاورة في منزل واحد .
فإذا أراد رجل أن يزوّج ابنه ، وضاقت الدار بأهلها ، لم يكن أول ما يفكر فيه أن يخرج ابنه من الحي ، أو يستأجر له بيتاً بعيداً ، كما يحدث في أيامنا هذه ؛ لكنّه كان يذهب إلى جاره ، ويقول له في بساطة لا تعرف التكلف : « عِيرْني كتفك » .
كان معنى العبارة أن يسمح له بأن يقيم قنطرة تمتد من بيته إلى بيت جاره ، ترتكز على أحدهما من جهة ، وعلى الآخر من الجهة المقابلة، ثم تُبنى فوقها غرفة تكون مسكناً للعروسين .
لم يكن هذا الأمر يحتاج إلى عقود طويلة ، ولا إلى لجان ، ولا إلى معاملات معقدة ؛ كان يكفي أن يطرق الجار باب جاره ، وأن يقول : « عِيرْني كتفك » ؛ وغالباً ما كان الطلب يُجاب ، لأن الجار لم يكن يرى في بيته ملكاً معزولاً عن محيطه ، إنما كان يرى نفسه جزءاً من جماعة ، ويرى جاره جزءاً من حياته .
لم تكن العائلة الممتدة يومئذٍ مجرد تجمع من الأقارب تحت سقف واحد ، أو في بيوت متجاورة ؛ كانت مدرسةً اجتماعيةً مفتوحة ، ففيها كان الأبناء يتربون على أيدي آبائهم وأمهاتهم وأعمامهم وعماتهم وأجدادهم وجداتهم ، ويتعلمون من خلال الحياة اليومية معنى السلوك ، وحدود الأدب ، واحترام الكبير ، والعطف على الصغير ، والإنصات إلى النصيحة ، والالتزام بما تقتضيه الجماعة من أخلاق .
كان الطفل لا ينشأ وحيداً في عالمه الخاص ؛ فالعين التي تراقبه لم تكن عين والديه وحدهما ، والنصيحة التي تصله لم تكن من مصدر واحد ؛ وكان ذلك التداخل الاجتماعي يضبط السلوك قبل أن تتحول الأخطاء إلى عادات ، ويضع منظومة الأخلاق في سياق عملي يراه الطفل ويمارسه كل يوم .
كانت التربية الجماعية تحفظ للناس شيئاً من هويتهم الاجتماعية ؛ فالعائلة الممتدة تنقل العادات والقيم والقصص والذاكرة ، وتُبقي الإنسان متصلاً بجذوره ، عارفاً بمكانه في جماعته ، مدركاً أن وجوده ليس جزيرةً معزولة ، بل حلقة في سلسلة طويلة من الآباء والأبناء والأقارب .
وإنّ ذلك التداخل كان يمنح الإنسان أيضاً حصانةً اجتماعيةً ونفسيةً افتقدها كثير من الناس في عصرنا ؛ فالحياة وسط جماعة متقاربة كانت تفتح للإنسان أبواب الحديث واللقاء والمشاركة ، وتخرجه من قمقم الوحدة والانغلاق ، وتمنحه شعوراً بأنه مرئي ومسموع ومطلوب ؛ أما اليوم ، فقد يعيش الإنسان في بيت واسع ، وبين عشرات الجيران ، ثم لا يجد من يطرق بابه حين يحتاج إلى كلمة ، أو جلسة ، أو كتف .
وليس المقصود أن الماضي كان كاملاً ، أو أن كل ما مضى ينبغي أن يعود كما كان ؛ ففي الماضي أيضاً مشكلاته ونقائصه ؛ لكن من الإنصاف أن نعترف بأن منظومة العائلة الممتدة والجيرة المتقاربة كانت تخلق قدراً كبيراً من التعاون والتكافل والاندماج الاجتماعي ، وتمنح الأبناء فرصاً أوسع للتفاعل ، والمشاركة ، وتعلم الأخذ والعطاء .
من هذه القناطر التي أقامها الناس فوق الأزقة ، نشأت صورة من صور العمارة القديمة ؛ طرقات مسقوفة ، وغرف تعلو الممرات ، وأسواق ومحال تجارية تستظل بالقناطر ، حتى أصبح البناء نفسه شاهداً على طبيعة المجتمع الذي أنشأه .
كانت القنطرة تصل بين بيتين ، لكنها في الحقيقة كانت تصل بين قلبين ، وبين جارين .
ما أجمل أن تكون العمارة انعكاساً للأخلاق ! فكما كان الحجر يستند إلى الحجر ، كان الإنسان يستند إلى الإنسان ؛ وكما كانت القنطرة لا تقوم إلا بكتفين ، كان المجتمع لا يقوم إلا بالتعاون .
أما اليوم ، فقد اتسعت البيوت ، واتسعت المدن ، واتسعت المسافات بين الناس ؛ لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله هو : هل اتسعت القلوب بالقدر نفسه؟ ..
لقد كان الرجل قديماً يقول لجاره : « عِيرْني كتفك » ؛ فيمنحه جزءاً من بيته ، وربما جزءاً من عمره وطمأنينته ، أما نحن ، فقد أصبح لكل واحد منا بيت واسع ، وسور مرتفع ، وباب مغلق ، ومسافة طويلة تفصل بينه وبين جاره .
ولعلنا لم نفقد القناطر وحدها ؛ لعلنا فقدنا شيئاً من المعنى الذي جعل الناس يحتاج بعضهم إلى بعض ، ويجدون في الجيرة سنداً ، وفي القرب أماناً ، وفي العائلة الممتدة مدرسةً للحياة .
فما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد ذلك الكتف ؛ لا لنقيم فوقه غرفةً للعروسين ، بقدر أن نقيم عليه شيئاً من إنسانيتنا التي أخذت المدن الحديثة تهدمها ، حجراً بعد حجر .