أقترح مصطلحًا عربيًا جديدًا لوصف واحدة من أهم القضايا الفكرية التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي: “التفاؤل على حافة الهاوية”، وهو تعريب وصياغة عربية لمفهوم Apocaloptimism الذي برز في الفيلم الوثائقي The AI Doc: Or How I Became an Apocaloptimist (2026) للمخرجين دانيال روهر وتشارلي تايريل.
ففي كل ثورة تقنية كبرى، انقسم الناس بين فريق يرى المستقبل "جنةً على الأرض"، وآخر يتوقع "نهاية الحضارة". واليوم، ومع الذكاء الاصطناعي، يبدو هذا الانقسام أكثر حدة من أي وقت مضى. فمن جهة، تُرسم وعود بعلاج الأمراض المستعصية، وتسريع الاكتشافات العلمية، وتحسين الرعاية الصحية، وتطوير التعليم، ورفع كفاءة الحكومات، وزيادة الإنتاجية الاقتصادية. ومن جهة أخرى، تتصاعد التحذيرات من فقدان الوظائف، وتآكل الخصوصية، وانتشار المعلومات المضللة، وترك قرارات مصيرية لخوارزميات قد لا نفهم آلية عملها بالكامل، فضلًا عن المخاوف من سباق عالمي قد يعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية والعسكرية بين الدول.
لهذا، فإن التفاؤل على حافة الهاوية لا ينتمي إلى أي من هذين المعسكرين. فهو لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه منقذًا مطلقًا، ولا يراه تهديدًا وجوديًا محتومًا، بل يعترف بأن الإنسانية تقف أمام تقنية تحمل في آنٍ واحد أعظم الفرص وأخطر المخاطر التي عرفتها في تاريخها الحديث.
هذا المفهوم لا يدعو إلى الخوف، وإنما إلى المسؤولية. ولا يحارب الابتكار، بل يدعو إلى أن يسير الابتكار جنبًا إلى جنب مع الحوكمة الرشيدة، والأطر الأخلاقية، والشفافية، والرقابة البشرية. فكلما ازدادت قوة الأنظمة الذكية، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات أكثر حكمة، وتشريعات أكثر مرونة، وقيادات أكثر وعيًا.
ولعل الترجمة العملية لهذا التوجه تكمن فيما يمكن تسميته "الرقابة بالتصميم" (Oversight by Design)؛ أي أن تُبنى أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ مراحل تصميمها الأولى على أساس يضمن بقاء الإنسان داخل دائرة اتخاذ القرار، مع وجود آليات واضحة للمساءلة، والشفافية، والتدخل البشري عند الحاجة. فالرقابة ليست قيدًا على الابتكار، بل شرطًا لاستدامته، تمامًا كما أن أنظمة السلامة لم تُبطئ تطور الطيران، بل جعلته أكثر أمانًا وثقة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لن يكون التحدي في بناء أنظمة أكثر قدرة فحسب، بل في بناء أنظمة أكثر مسؤولية.
غير أن التحدي لا يقتصر على تصميم الأنظمة الذكية، بل يمتد إلى طبيعة التنافس الدولي نفسه. فالتسابق المحموم بين الدول والشركات الكبرى لتطوير نماذج أكثر قوة قد يتحول إلى سباق تدفعه المخاوف من أن يسبق الآخرون، فتغدو السرعة غاية بحد ذاتها، ويصبح التريث المسؤول ثمنًا لا يرغب أحد في دفعه. وهنا تبرز الحاجة إلى حكمة القادة، ودور المنظمات الدولية، والالتزام بالقانون الدولي، لبناء إطار عالمي يضمن أن يبقى هذا السباق في خدمة البشرية، لا على حسابها.
فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة صراع جديدة تعيد إنتاج الانقسامات الجيوسياسية، بل إلى مشروع إنساني عالمي تتشارك فيه الدول لتسخير هذه التقنية في مواجهة التحديات المشتركة؛ من القضاء على الفقر والجوع، وتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية، إلى حماية البيئة، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وترسيخ قيم التفاهم وقبول الآخر. فكل تقدم تقني لا يقود إلى تقدم إنساني يبقى إنجازًا ناقصًا، أما الذكاء الاصطناعي فيمنحنا فرصة غير مسبوقة لأن نجعل التعاون العالمي أكثر جدوى من التنافس العالمي.
ومن هنا تبرز أهمية هذا المفهوم بالنسبة لدولة الإمارات، التي اختارت منذ وقت مبكر أن تكون في طليعة الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي. غير أن الريادة الحقيقية لن تُقاس بعدد التطبيقات أو سرعة التحول الرقمي، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة متوازنة تجمع بين الابتكار والثقة، وبين الجرأة في التبني والانضباط في الاستخدام، وبين كفاءة الآلة وحكمة الإنسان. فالسبق في هذا المجال لا يعني الوصول أولًا فحسب، بل الوصول بطريقة تجعل المجتمع أكثر أمنًا وعدالة واستدامة، وتقدم نموذجًا عالميًا في الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
وينطبق الأمر ذاته على الجامعات، التي أصبحت مطالبة بأكثر من مجرد تعليم الطلبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. فالمهمة الجديدة للتعليم العالي هي إعداد خريجين يمتلكون التفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، والقدرة على مساءلة الأنظمة الذكية، وفهم حدودها قبل الاستفادة من إمكاناتها. فالمهارة التقنية وحدها لم تعد كافية؛ بل إن الحكمة في استخدام التقنية أصبحت مهارة المستقبل الحقيقية.
وربما يكون التفاؤل على حافة الهاوية أحد أكثر الأطر الفكرية ملاءمة للعقد القادم؛ لأنه يرفض السذاجة كما يرفض التشاؤم، ويؤمن بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قدرات الآلات وحدها، بل نوعية القرارات التي يتخذها البشر بشأنها، وقدرتهم على تحويل المنافسة إلى تعاون، والقوة إلى مسؤولية، والابتكار إلى منفعة عامة.
وفي النهاية، لن يكون السؤال الأهم: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟ بل: هل سنمتلك، كدول ومؤسسات وقادة، ما يكفي من الحكمة لنجعل أعظم اختراع في تاريخ البشرية أعظم فرصة لتقدمها، لا أعظم تهديد لمستقبلها؟