قانون الإدارة المحلية الجديد .. حين تُقيَّد الديمقراطية باسم الإصلاح
د. محمد خالد العزام
13-07-2026 09:20 AM
ليست القوانين نصوصًا تُكتب فحسب، بل هي انعكاسٌ لفلسفة الدولة في إدارة شؤونها، ومدى إيمانها بأن المواطن شريكٌ في صناعة القرار. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المواد القانونية، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين الكفاءة الإدارية والإرادة الشعبية.
ورغم أن مسودة قانون الإدارة المحلية لعام 2026 جاءت تحت عناوين الحوكمة والتحديث، إلا أنها تثير العديد من التساؤلات التي تستحق الوقوف عندها قبل إقرارها، حتى لا يتحول الإصلاح إلى تقييد للمشاركة الشعبية بدلاً من تعزيزها.
ومن أبرز الملاحظات اشتراط المؤهل الجامعي للترشح لرئاسة وعضوية بلديات الفئة الأولى، في حين لا يُشترط ذلك للترشح لمجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى التشريع والرقابة على أعمال الحكومة. وهذا التفاوت يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى اتساق فلسفة التشريع، فالكفاءة لا تُبنى بالشهادات وحدها، بل بالخبرة والنزاهة والقدرة على خدمة المجتمع وكسب ثقة المواطنين. ومن هنا، فإن اعتماد شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها، مع إخضاع جميع الفائزين لبرامج تدريبية إلزامية في الإدارة المحلية والحوكمة والإدارة المالية، يمثل خيارًا أكثر عدالة ويحقق الكفاءة دون إقصاء.
كما أن منح المدير التنفيذي صلاحيات واسعة قد يؤدي إلى تقليص الدور التنفيذي لرئيس البلدية المنتخب، بما يُضعف الولاية الشعبية التي منحها المواطنون عبر صناديق الاقتراع. فالبلديات مؤسسات ديمقراطية، ويجب أن يبقى القرار فيها قائمًا على الشراكة بين الإدارة التنفيذية والمجلس المنتخب، خصوصًا في القرارات المالية والمشروعات الكبرى.
أما فيما يتعلق بمجالس المحافظات، فما تزال صلاحياتها محدودة، بينما تبقى الخطط والموازنات بيد المجلس التنفيذي، الأمر الذي يُبقي اللامركزية أقرب إلى المفهوم النظري منها إلى التطبيق العملي. ولذلك فإن منح هذه المجالس دورًا حقيقيًا في إعداد الخطط التنموية، وإنشاء وحدات فنية مستقلة لدعم القرار ومراجعة الدراسات والمشروعات، سيعزز من كفاءة التنمية والرقابة على المال العام.
وفي جانب التخطيط الحضري والتحول الرقمي، فإن الطموح الذي حملته المسودة يستحق التقدير، إلا أن نجاحه يتطلب تطبيقًا تدريجيًا يتناسب مع قدرات البلديات وإمكاناتها البشرية والمالية، حتى لا تتحول المتطلبات الجديدة إلى أعباء تعيق الأداء بدلًا من تطويره.
ختامًا، فإن أي قانون للإدارة المحلية يجب أن يكون جسرًا بين الدولة والمواطن، لا حاجزًا بينهما؛ قانونًا يعزز الكفاءة دون أن يُقصي أصحاب الخبرة، ويحفظ قوة الإدارة دون أن ينتقص من حق المواطنين في اختيار من يدير شؤونهم. فالقوانين العادلة هي التي تبني الثقة، وتحقق التوازن بين الإدارة الرشيدة والديمقراطية، لأن الأوطان لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بالعدالة التي تُترجمها تلك النصوص إلى واقع.