غزة رهينة نزع السلاح والانتخابات الإسرائيلية
د. عماد الحمادين
06-07-2026 10:43 AM
في خضم الصراع الأمريكي–الإيراني في المنطقة، تبدو غزة من أكثر القضايا إلحاحًا التي تتعرض للتجاهل أو التناسي. ويعود ذلك إلى أن النجاح في توقيع مذكرة تفاهم، رغم صعوبته، يُعد أسهل من حل مشكلة الغزيين الذين باتوا يتعرضون للقصف ليلًا ونهارًا دون حماية أو مساعدات إنسانية كافية. وتنفذ إسرائيل بشكل مستمر غارات جوية، وإطلاق نار، وعمليات نسف في مناطق متفرقة من قطاع غزة، كما وسعت من احتلالها للقطاع ليصل إلى نحو 70% من مساحته، وحصرت الفلسطينيين في نطاق ضيق لا يتجاوز 30% من مساحة القطاع.
وبالرغم من التزام الفصائل الفلسطينية بوقف إطلاق النار، لم تلتزم إسرائيل بذلك، وما زالت تهاجم الفلسطينيين بشكل يومي، في ظل غياب أي عقوبات على هذه الانتهاكات.
وصلت قوة الاستقرار الدولية، التي أُنشئت من قبل مجلس السلام المعيّن من قبل الرئيس ترامب، إلى إسرائيل في السادس عشر من حزيران الماضي، ومن المتوقع أن تدخل إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم. وحسب خطة الرئيس الأمريكي، فإن قوة الاستقرار تُعد واحدة من أربعة كيانات نصت عليها خطة إنهاء الحرب في غزة، والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني 2025. وقد تعهدت خمس دول بإرسال قوات إلى غزة للمشاركة في هذه القوة الأمنية، في حين تعهد كل من الأردن ومصر بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية. ويبدو أن الهدف الرئيس لهذه القوة قد يكون في الوقت نفسه أكبر عائق أمام نجاحها، إذ تتمثل مهمتها الأساسية، وفقًا لخطة ترامب، في نزع سلاح الفصائل، وتدمير البنى التحتية العسكرية، وحماية المدنيين، وتأمين الممرات الإنسانية.
ويمثل دخول قوة الاستقرار دخول المرحلة الثانية من خطة السلام، بعد أن دخلت المرحلة الأولى حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025. وتنص المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية على انسحاب أوسع للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، على عكس ما يجري حاليًا على الأرض، حيث يتواصل التوسع في الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جديدة داخل القطاع.
وتلقي الانتخابات الإسرائيلية القادمة بظلالها بشكل كبير على مستقبل غزة، إذ يرى كثير من الناخبين الإسرائيليين أن حسم ملف غزة يُعد قضية أساسية في اختيار أعضاء الكنيست. ويضاف إلى ذلك أن ربط مسألة نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية بإعادة إعمار غزة يجعل معاناة سكان القطاع أكثر تعقيدًا. وبالرغم من وجود تقارير وتصريحات تفيد بأن مجلس السلام يعتزم المضي قدمًا في إعادة إعمار المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي دون ربط ذلك بنزع سلاح حماس، فإن نتنياهو صرح بأنه لن تكون هناك عملية لإعادة إعمار قطاع غزة قبل نزع سلاح حركة حماس، في موقف يتعارض إلى حد كبير مع ترتيبات المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب لإنهاء الحرب.
ويُعد وضع العراقيل أمام تنفيذ هذه الترتيبات أحد الأساليب التي يجيدها نتنياهو لتعزيز فرصه في الانتخابات، خصوصًا بعد الإخفاقات التي تعرض لها في ملفات أخرى، مثل لبنان وإيران. ولم يتبقَّ أمامه، في نظر مؤيديه، سوى إعادة تصوير حماس بوصفها تهديدًا قادرًا على إعادة تنظيم صفوفه ومهاجمة إسرائيل مرة أخرى. إلا أن التهديد الأمني القادم من قطاع غزة، بمختلف فصائله، لم يعد قائمًا عمليًا بالشكل الذي كان عليه سابقًا، في ظل سيطرة إسرائيل على معظم مساحة القطاع، وهيمنتها على المعابر والبحر والجو، إضافة إلى حجم الدمار الكبير الذي طال البنية التحتية لحركة حماس وفصائل المقاومة عمومًا.
ويبدو من هذا التعنت الإسرائيلي في رفض إعادة إعمار القطاع، حتى في المناطق الآمنة الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، أن نتنياهو لا يرغب في الوصول إلى الانتخابات الإسرائيلية المقررة في شهر تشرين الأول في ظل وجود أي إنجاز يمكن أن يُحسب للفلسطينيين، أو يذكر الناخب الإسرائيلي بإخفاق حكومته في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في اجتثاث حركة حماس بصورة نهائية.
* مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الاردنية