"المحور الإيراني" في مواجهة المتغيرات المستجدة
أ.د أحمد بطَّاح
06-07-2026 11:40 AM
بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) تبنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقيدة دفاعية جديدة تقوم على تدعيم مجموعة من الوكلاء (الحلفاء) الذين يمكن أن يدافعوا عنها بدون أن تضطر للدخول في الحروب مباشرةً، وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية تبنت إيران بعض الفصائل المسلحة في فلسطين، والعراق، ولبنان، واليمن فضلاً عن تحالفها الوثيق مع سوريا آل الأسد، وقد ظلت هذه العقيدة الدفاعية الإيرانية مُتبناة من قِبَل الدولة الإيرانية وعبّرت عن نفوذ إيراني قوي في المنطقة إلى الحد الذي جعل بعض الساسة الإيرانيين يقول بأن إيران تسيطر على القرار في أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) كما رأى بعض الساسة الإيرانيين أنّ هذا المحور يضمن لطهران طريقاً سالكة من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط! والواقع أنّ هذا المحور الذي سُمّي أحياناً بمحور "الممانعة والمقاومة" بدأ يتصدع في السنوات الأخيرة كنتيجة لأحداث مُعينة كبيرة تتالت على النحو الآتي:
أولاً: سقوط النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، حيث شكّل هذا السقوط نهاية تحالف سوري إيراني بدأ منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا عام 1971، كما شكل نهاية لطريق إمداد حيوي ومهم لحزب الله في لبنان، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنّ النظام السوري السابق كان "واسطة العقد" في المحور الإيراني إذْ بعده أصبح طريق (طهران - بغداد – بيروت) مقطوعاً في الواقع.
ثانياً: تراجع قوة حزب الله في لبنان بعد أن شنّ ما سماه "حرب الإسناد" لغزة في الثامن من أكتوبر حيث ضربته إسرائيل بشراسة وقتلت نخبته القيادية (بما في ذلك زعيمه الكاريزمي الشيخ حسن نصر الله)، وقد أدى هذا التراجع إلى أن تعلن الحكومة اللبنانية أن سلاح حزب الله "غير شرعي" وأنّ من الضروري تطبيق مفهوم "حصرية السلاح" بيد الدولة، والواقع أن أغلبية الشعب اللبناني (باستثناء أكثرية الطائفة الشيعية وهي حاضنة حزب الله) أصبح لديها توجه بضرورة تسليم حزب الله سلاحه إلى الدولة والتحول إلى حزب سياسي وبخاصة أنّ لديه نواباً في البرلمان، ووزراء في الحكومة. إنّ حزب الله ما زال يتوفر على بعض القوة وقد أظهر مقاومة عنيفة للدخول الإسرائيلي الأخير إلى جنوب لبنان لكن مُجمل العوامل المحلية والإقليمية (وبالذات تراجع قدرة إيران عن إمداده بالسلاح والمال) والدولية (وبخاصة وقوف كل الدول الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة ضده) سوف يجبر حزب الله في النهاية على الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية والتنازل عن جناحه العسكري بطريقة أو بأخرى.
ثالثاً: قبول بعض الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران بتسليم سلاحها إلى الدولة وذلك بعد ضغوط كبيرة من الولايات المتحدة وحرج الحكومة العراقية من قيام بعض هذه الفصائل بقصف بعض الدول العربية الخليجية أثناء الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والواقع أنّ هناك توجهاً حكومياً (حكومة علي الزيدي الحالية التي أمهلت الفصائل المسلحة حتى أيلول القادم لتسليم سلاحها) وشعبياً (حركة السيد مقتدى الصدر التي سلمت سلاح منظمتها "سرايا السلام" إلى الجيش العراقي) لحصر السلاح بين الدولة واجتراح حلول معينة لسحب السلاح من يد الجماعات المسلحة الموالية لإيران وتسليمه إلى القوات المسلحة العراقية والقوى الأمنية.
رابعاً: تراجع الانخراط اليمني الحوثي في المحور الإيراني والذي بدا واضحاً خلال الحرب الأخيرة التي امتدت لما يزيد عن أربعين يوماً والذي اقتصر في الواقع على مجرد تهديد بإغلاق مضيق باب المندب وضرب ميناء إيلات الإسرائيلي بإحدى المسيرات! إنّ من غير الواضح أسباب هذا التراجع وخلفياته ولكن إذا أخذنا بالنتائج فقد كانت واضحة وهي ضعف انتظام أنصار الله الحوثيين في المحور الإيراني.
خامساً: تعرض إيران لضربة هائلة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تمثلت في قتل مرشدها الأعلى (علي خامنئي) والصف الأول والثاني من كادرها القيادي السياسي والعسكري والعلمي، الأمر الذي قد يدعو صُناع القرار في طهران إلى إعادة النظر في عقيدتهم الدفاعية الخارجية التي أشرنا إليها في مقدمة هذه المقالة وبخاصة أنّ هذه الاستراتيجية الدفاعية مُكلفة مادياً ولا تُمكّن الدولة من القيام بواجبتها إزاء مواطنيها الذين يتوقون -شأنهم شأن بقية شعوب العالم- إلى العيش بكرامة وبحد معقول من الاكتفاء والبحبوحة وبخاصة أن بلدهم بلد كبير (1,600,000كم2)، وغني بالنفط والزراعة، ولذا فإنهم يتساءلون لماذا لا تركز دولتهم على رفاههم بدلاً من التركيز على النفوذ الإقليمي الذي يجُر عليهم الويلات كما حدث في الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى.
إنّ المحور الإيراني وُلد في ظروف ومتغيرات محلية وإقليمية ودولية معينة، ولكنه ومنذ عام 2024 بدأ يواجه ظروفاً ومتغيرات مستجدة مختلفة، الأمر الذي يفرض على ذوي الشأن إعادة النظر في معقوليته واستدامته، وما علينا إلا أن ننتظر ونرى!