facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثواب والعقاب في نظام السلك الدبلوماسي


السفير محمد الكايد
06-07-2026 12:37 PM

تحاشيت الكتابة عن الامور الادارية في وزارة الخارجية منذ ان طلبت احالة نفسي على التقاعد قبل حوالي عامين بعد خدمة 38 عاما في هذه الوزارة التي أجل واحترم. واقتصرت كتاباتي المتواضعة ولقاءاتي على الشان العام والسياسة الخارجية والاقليمية مبتعدا عن الانتقادات على غرار بعض المسؤولين الذين يظهرون الشجاعة بعد الابتعاد عن موقع المسؤولية. فلغاية هذة اللحظة ، فإنني ما ازال مؤمنا بان جميع القيادات والوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الخارجية قد أبلوا بلاءاً حسنا وبذلوا جهودا مخلصة للارتقاء بالعمل الدبلوماسي وتطوير الاداء المؤسسي لهذه الوزارة السيادية. لذا، فان النظرة المختلفة والتقييم المغاير لهذا المقال ،والذي قد لا يعجب البعض ، لا يجب تفسيره بعيدا عن التحليل الموضوعي القابل للنقد والنقاش باعتباره مراجعة ذاتية تمثل وجهة نظر فاحصة لبعض المواد في نظام السلك الدبلوماسي.

ان نظام السلك الدبلوماسي هو الاطار التشريعي والقانوني والاداري الذي يحكم العمل الدبلوماسي والعاملين فيه من حيث الحقوق والواجبات.وقد طرأت على هذا النظام تعديلات كثيرة ومتعددة منذ بدء العمل فيه لتتماشى مع سياسة الدولة الاردنية في التحديث والتطوير للقطاع العام بما يضمن الشفافية والحوكمة الرشيدة والرشاقة الادارية دون المس بالاسس التي تحكم العمل الدبلوماسي المتعارف عليها دوليا ليس في الاردن وحده بل في معظم دول العالم .

هناك بعض الاحكام والفقرات الرئيسية في نظام السلك الدبلوماسي يجب التوقف عندها ومراجعتها وتقييمها وتغييرها اذا لزم الامر لضمان ديمومة البرنامج الاصلاحي مع مراعاة الاهداف التي ننشدها جميعا وهي ايجاد بيئة تشريعية توفر الاستقرار والامان الوظيفي لموظفي السلك والحوافز الادارية (وليس المالية) التي تراعي الظروف التي تحكم هذا العمل الصعب المحفوف بالتحديات. فمما لا شك فيه ان هناك بعض الاحكام في النظام والتي اثبتت التجربة العملية والتقييم الموضوعي ضرورة تعديلها او شطبها وايجاد اسس جديدة تحكم العمل بما يحقق المصلحة العامة.

ان اهم مكمن للضعف في نظام السلك الدبلوماسي هو حضور العقاب وغياب الثواب.فقد عظّم النظام المواد العقابية وتجاهل المواد الثوابية . وهناك فقرات عديدة في النظام تحدد الاجراءات العقابية التي يمكن ان يتعرض لها الموظف تتراوح بين الانذارات ، والنقل والانتداب الى وزارات اخرى ، وتاخير الترفيع ، وصولا الى الاستغناء عن خدمته والتقاعد في حال مخالفته للانظمة والقوانين المعمول بها في هذه المهنة المتعبة. وبنفس الوقت هناك شبه خلو تام في النظام لاي حافز اداري او مكافأت تقديرية للموظف المجتهد الذي لا يجد من ينصفه على جهده ومواظبته وذلك نظرا لاعتماد النظام على الاقدمية والتراتبية التي تعيق تقدم الموظف المجتهد. ولا يوجد في النظام سوى فقرة واحدة تنص على المسار السريع للموظف لمرة واحدة ولكنها لم تطبق ولم يعمل بها منذ وضعها.

لقد انطلق النظام من مبدأ ان العقاب هو الضامن الوحيد لعدم الانفلات الإداري وغاب عن نصوصه ان الثواب هو المحرك الرئيسي للإبداع والتميز.

ومع كثرة العقوبات وقلة الاثابات ، فقد غدا نظام السلك بمثابة قيد على معاصم أبنائه بما يمكن وصفه بنظام عقوبات ويفترض المخالفة الوظيفية بشكل تلقائي وصريح دون وجود حوافز بالمقابل تكافئ من لم يعاقبه النظام افتراضيا. وقد ادى ذلك الى سيادة مبدأ عدم الاستقرار والامان الوظيفي والقلق والتوتر الإداري وغدا الموظفون حيارى في امرهم بين واجباتهم وبين هذه البيئة الطاردة التي تلاحقهم مما جعل قسم منهم يحاولون الهروب عبر الانتداب الى جهات اخرى ، والاجازات بدون راتب ، وتدبير امورهم بما اصبح يعرف بالقفز الآلي وهو العمل لدى جهات اخري لحين العودة كسفراء في اعلى الهرم الوظيفي كبديل أسرع عن تراتبية النظام. وغدا النظام لا يلبي طموح الكفاءات ، جالبا لليأس بدلا من الامل ، مكرسا لقلة الهمة بدلا من شحذها.

اما الفقرة المتعلقة بتعيين السفراء غير المسلكين ، فقد زادت من توجس بعض موظفي السلك المسلكين. وبالرغم من انني شخصيا لا ارى غضاضة في التعيين من خارج السلك حيث يعتبر هذا الامر من صلاحيات مجلس الوزراء صاحب الولاية كما ان معظم الزملاء غير المسلكين قد اثروا الوزارة بتجاربهم المميزة والفريدة وكانوا مثالا للنشاط والاحترافية.

ولكن الفقرات المنصوص عليها في النظام والتي تنظم هذا الشان تتصف بالغموض التشريعي حيث تنص احدى الفقرات على مراعاة ان لا يتجاوز عددهم نسبة معينة من مجموع السفراء وهي النسبة التي تغيرت عدة مرات صعودا. كذلك تنص فقرة اخرى على تعيين السفير غير المسلكي لمهمة محددة تاركة تحديد وضعه الى مجلس الوزراء وهي فقرة غير ملزمة ادت الى وجود سفراء غير مسلكيين ليس لمهمة واحدة فقط بل لعدة مهام تجاوزت في بعضها عشرات السنين. ان التساهل في تطبيق هذه القفرة والمدد الطويلة التي يبقى فيها السفير غير المسلكي تولد شعورا من التوتر نتيجة المزاحمة الادارية وإعاقة التقدم الوظيفي وتأخير الترفيعات.

من جهة اخرى ، نص النظام على وجوب الحصول على شهادة التوفل والايليتس لكل من يتقدم للعمل كموظف دبلوماسي وهو بنظري الشخصي قد جعل الوزارة نادي خاص ، وحرم الوزارة من كفاءات عديدة كان يمكن ان تستفيد منها ، وغدت القدرة على التكلم بالانجليزي والفرنسي اهم من مؤهلات المتقدم للوظيفة . وبالرغم من اهمية اللغات بشكل عام في العمل الدبلوماسي ، الا ان نتيجة هذا الشرط قد جاءت بنتائج عكسية على الوزارة بعكس ما أراده المشرع ، فقد قلّت قاعدة الاختيار بيّن المتقدمين وتقلصت بشكل كبير من مئات المتنافسين الى ارقام قليلة لا تكاد تذكر ليس عزوفا من قبّل المتقدمين بل بسبب الشروط الانتقائية التي وضعها النظام . ان اللغة الاجنبية هي مهارة مكتسبة وليست شرط عادل للتقدم إلى الوظيفة ويمكن معالجة هذا الامر عن طريق جعل اجتياز فحص اللغات شرطا للتثبيت في الوزارة بعد سنتين كما هو منصوص عليه بالنظام . كما يجب عدم الاقتصار على اللغة الانجليزية والفرنسية فقط ، فاللغة الاسبانية وكذلك الروسية والصينية مهمة ومن بينها العبرية التي تزداد أهميتها في متابعة الشان الاسرائيلي.

هناك الكثير من النقاط الواجب اعادة دراستها في نظام السلك الدبلوماسي لا مجال لذكرها كلها ولكنها ايضا مهمة جدا مثل فقرة تعيين الامين العام من قبل الوزير دون الحاجة إلى قرار من مجلس الوزراء بحجة خصوصية العمل الذي تقوم به الوزارة وهي فقرة جعلت المنصب عرضة للتغيير الدائم مما زاد من حالة عدم الاستقرار الى بيئة العمل . وكذلك ضرورة تعزيز صلاحيات مدراء الدوائر السياسية لتكون تنسيبات الدوائر السياسية ملزمة إلى حد ما . وأما الاتيان بالقطاع الخاص لفحص الدبلوماسيين واجراء ترفيعاتهم فهي فكرة يجب التفكير مليا بها لما يمكن ان تتركه من انطباع عن عدم وجود آلية داخل الوزارة لتقييم ابنائها مما جعل اجتياز هذه الفحوصات امرا في غاية الصعوبة . وحبذا لو تم الاستعانة بالشركات الخاصة لتقديم الحلول الادارية للنهوض بالعمل بدلا من ان تكون جزءا من العملية الادارية.

وفي جهة متصلة ، وكي يكون المرء منصفا ، فهناك الكثير من الايجايبات في نظام السلك رغم كثرة المحظورات وبالاخص في الامور المالية. واعتقد منصفا بان رواتب وعلاوات الموظفين الدبلوماسيين في الخارج من افضل الرواتب الممنوحة . وتتم مراجعتها وتعديلها بشكل دورى ومنتظم من قبل كل مسؤولي الوزارة والمراجعة الاخيرة خير دليل على ذلك. ولكن التقصيرات الادارية الموجودة في نظام السلك قد طغت على الامتيازات المالية الموجودة فيه فليس بالراتب وحدة يتحقق التطور ولا الانجاز ولا الآمان الوظيفي ولا يدعو المقال الى زيادات الرواتب بل يدعو الى مراجعات لفقرات النظام التي اثبتت انها ذات تاثير سلبي على الموظفين ادى الى الشعور بالاحباط الوظيفي.

اخيرا، فان قوة اي وزارة او مؤسسة لا تقاس بكثرة العقوبات بل بقدرتها على استقطاب الكفاءات وتمكينهم وتحفيزهم . وان السلك الدبلوماسي الاردني امتلك سابقا ويمتلك حاليا قامات يشهد لها بالكفاءة وتاريخ عريق في خدمة الوطن بما يشير إلى ان المشكلة لا تتعلق بالأشخاص بل بالنظام نفسه. وان ما يحتاجه اليوم هو مراجعة هادئة لبعض النصوص بما يحقق الانضباط الاداري والتحفيز معا حتى يصبح النظام حارسا لموظفيه وهذا يحتاج الى خطوة غير مسبوقة تتمثل في قوننة النظام بجعله قانونا يمر ضمن الاطر التشريعية المناسبة لضمان استقرار نصوصه وايجاد بيئة عمل مستقرة ينطلق منها الدبلوماسيين لخدمة أهداف الأردن الخارجية . وان هذا المطلب لا يمكن اعتباره من قبل اي كان بمثابة انتقادا متاخرا او نصيحة مشبوهة او خيرا يراد به باطل بل هو رأياً إصلاحيا متواضعاً يهدف إلى إثراء مسيرة الإصلاح .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :