الشرق الأوسط بين ثلاث عقائد .. والانقسام العربي الذي لا ينتهي
صالح الشرّاب العبادي
13-07-2026 10:23 AM
منذ السابع من أكتوبر، لم تتغير خرائط العمليات العسكرية في الشرق الأوسط فحسب، بل تبدلت أيضًا خرائط الوعي السياسي والاجتماعي، وانقسم الرأي العام العربي إلى اتجاهات متباينة في تفسير ما يجري، والدفاع عنه أو معارضته، واستشراف نتائجه. ولم يعد الخلاف يدور حول معركة أو جبهة بعينها، بل أصبح خلافًا حول فلسفة الصراع نفسها: كيف تُقاس الحروب؟ وما هو النصر؟ وما هي الهزيمة؟ وأي ثمن يمكن أن تتحمله الشعوب في سبيل تحقيق أهدافها؟
في الملف الفلسطيني، تشكل اتجاه يرى أن مقاومة الاحتلال حق مشروع، وأن التحرر من نير الاحتلال والاستيطان واستعادة الأرض والحقوق لا يتحققان إلا بالصمود مهما بلغت التضحيات. ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن الشعوب التي سعت إلى التحرر عبر التاريخ دفعت أثمانًا باهظة قبل أن تنال حريتها، وأن اختلال موازين القوى لا يسقط حقها في مواصلة النضال، مستندين إلى قناعة دينية ووطنية بأن الإيمان بالقضاء والقدر يمنح الإنسان القدرة على الثبات، مستحضرين قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن ما أعقب السابع من أكتوبر أفضى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، حيث الدمار الواسع، والنزوح، وتدهور الظروف المعيشية، وأن المدنيين كانوا الأكثر دفعًا لثمن الحرب. ومن هذا المنطلق، يدعو أصحاب هذا الرأي إلى مراجعة الوسائل المستخدمة في إدارة الصراع في ضوء كلفتها الإنسانية، مع بقاء عدالة القضية الفلسطينية موضع اتفاق لدى كثيرين.
ولم يتوقف هذا الانقسام عند غزة، بل امتد إلى المواقف من حزب الله في لبنان، ثم إلى الحرب المرتبطة بإيران، حيث انقسمت الآراء من جديد. فهناك من يرى أن استهداف أهداف مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي أو بحلفائه يأتي ضمن سياق المواجهة الإقليمية، بينما يرفض آخرون امتداد العمليات العسكرية إلى أراضي الدول العربية أو المساس بسيادتها، خوفًا من أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة يدفع ثمنها المواطن العربي قبل غيره.
غير أن القراءة المتأنية تكشف عن وجود اتجاه ثالث، يمكن وصفه بـالفئة الرمادية. وهي ليست بالضرورة فئة محايدة، بل فئة تتبدل مواقف بعض أفرادها وفق تطورات الأحداث أو المصالح أو تبدل موازين القوى.
أن جزءًا من هذه الفئة يعيش بعيدًا عن ساحات القتال، فلا يعايش القصف أو النزوح أو فقدان الأحبة، ولذلك قد يتعامل مع الحروب بوصفها مادة للنقاش أو لتسجيل المواقف، أكثر من كونها مأساة إنسانية يعيشها الملايين.
وفي أحيان كثيرة، تؤيد هذه الفئة طرفًا أو تعارض آخر، لكنها لا تتحمل شيئًا من الكلفة التي يدفعها سكان مناطق الصراع. فهي ترغب في رؤية النتائج التي تؤمن بها تتحقق، من دون أن تلامس حجم التضحيات أو المعاناة الإنسانية التي ترافقها. ولهذا تبدو مواقف بعض أفرادها قابلة للتبدل مع تغير موازين القوى، أكثر من ارتباطها برؤية ثابتة أو مبدأ مستقر.
إن أخطر ما كشفته هذه المرحلة هو أن الحروب لم تعد تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل على الشاشات أيضًا. فهناك حرب إعلامية، وحرب نفسية، وحرب روايات، يتنافس فيها الجميع على كسب الرأي العام، بينما يبقى المدنيون في غزة، ولبنان، وسائر بؤر التوتر، هم من يدفعون الثمن الأكبر.
وعسكريًا، لا يختلف اثنان على أن الفارق في القدرات العسكرية والتكنولوجية بين القوى الكبرى وحلفائها، وبين الأطراف الأخرى، يؤثر بصورة كبيرة في مجريات المعارك. لكن التاريخ يبين أيضًا أن التفوق العسكري وحده لا يحسم دائمًا الصراعات السياسية الممتدة، كما أن الإرادة وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف إذا غابت الرؤية والإمكانات. ومن هنا يبقى الجدل قائمًا بين من يرى أن الصمود هو الطريق إلى التحرر، ومن يرى أن إدارة الصراع يجب أن تراعي الكلفة الإنسانية والسياسية، ومن يكتفي بمراقبة المشهد من بعيد دون أن يدفع ثمنه.
إذا استمرت المنطقة على هذا النهج، فمن المرجح أن يبقى الانقسام العربي قائمًا، ليس فقط حول غزة أو لبنان أو إيران، بل حول مفهوم المقاومة، وحدود استخدام القوة، وأولوية حماية الإنسان والدولة، ودور القوى الإقليمية والدولية في رسم مستقبل المنطقة.
وسيظل الاتجاه الأول مؤمنًا بأن التحرر يحتاج إلى صبر وتضحيات، وأن الشعوب لا تنال حقوقها إلا بالثبات مهما كانت الكلفة. بينما سيواصل الاتجاه الثاني الدعوة إلى البحث عن حلول سياسية تقلل الخسائر وتحفظ حياة المدنيين واستقرار الدول. أما الفئة الرمادية، فمن المرجح أن تستمر في التفاعل مع الأحداث وفق تغير المشهد السياسي والإعلامي، ما لم تتحول هي نفسها إلى طرف يتأثر مباشرة بنتائج الصراع.
وفي جميع الأحوال، فإن المنطقة تبدو مقبلة على مرحلة طويلة من إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات، ولن يكون الحسم فيها عسكريًا فقط، بل سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا أيضًا.
ويبقى الدرس الأهم أن الحروب مهما اختلفت تفسيراتها، فإن أول ضحاياها هو الإنسان، وأن الانقسام في الرأي سيظل قائمًا ما دامت الشعوب تنظر إلى الصراع من زوايا مختلفة، لكن التاريخ لا يكتبه المتجادلون خلف الشاشات وحدهم، بل يكتبه أيضًا أولئك الذين يعيشون الحرب بكل ما فيها من ألم، وصمود، وخسارة، وأمل .