حين تُختزل القامات .. تُجرح ذاكرة الوطن
المهندس احمد الغزو
13-07-2026 10:40 AM
ليست المشكلة في اختلاف الآراء، فالدول الحية تتسع للنقاش، ويظل التاريخ مفتوحًا للقراءة والتحليل. لكن المشكلة تبدأ عندما تُختزل قامات وطنية صنعت تاريخ الدولة في عبارات لا تنصف حجم ما قدمته، ولا تعكس طبيعة المرحلة التي عاشتها.
وصفي التل وحابس المجالي لم يكونا مجرد مسؤولين في مرحلة من مراحل الدولة، بل كانا من الرجال الذين حملوا الأردن على أكتافهم في ظروف بالغة الصعوبة، يوم كانت الدولة تبني مؤسساتها، وتواجه التحديات الداخلية والخارجية، وتحمي قرارها الوطني.
وقبل أن نحاكم كلماتهم أو نصف أسلوب حديثهم، علينا أن نتذكر البيئة التي خرجوا منها. فقد كانا أبناء البادية الأردنية، يتحدثان بلهجتها الأصيلة؛ لهجةٍ قد تبدو بسيطة في ألفاظها، لكنها عميقة في معانيها، صادقة في مقاصدها، بعيدة عن التكلف والتصنع. ففي تلك البيئة كانت الكلمة عهدًا، والموقف شرفًا، والوفاء قيمة لا تقبل المساومة.
ولم يكن وصفي التل يسهر ليؤلف الأغاني، ولا كان حابس المجالي يقضي لياليه في السمر. لقد سهرا على أمن الأردن واستقراره، وحماية أرضه وشعبه، وتحمل مسؤوليات جسام في مراحل لا يعرف قسوتها إلا من عاشها أو قرأ تاريخها بإنصاف.
قد نختلف في تقييم السياسات، فهذا حق تكفله حرية الرأي، لكننا لا ينبغي أن نختلف على احترام الرموز الوطنية التي ارتبطت ببناء الدولة وصون سيادتها. فاحترام هذه الرموز لا يعني إغلاق باب الحوار، بل يعني أن يكون الحوار بمستوى تاريخهم، وأن تُنتقى الكلمات بما يليق بمكانتهم في وجدان الأردنيين.
إن الأمم التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ مستقبلها. أما الأمم التي تسمح باختزال تاريخها ورموزها في عبارات عابرة، فإنها تفتح بابًا لا يخدم إلا تشويه الوعي وإضعاف الانتماء.
لقد رحل وصفي التل، ورحل حابس المجالي، لكن بقيت سيرتهما جزءًا من تاريخ الأردن، وبقيت أعمالهما شاهدة على مرحلة تأسيس وبناء ودفاع. ومن الوفاء للوطن أن نصون ذاكرته، وأن نختلف باحترام، وأن ندرك أن الكلمة مسؤولية، خاصة عندما تتعلق بمن كتبوا صفحات مضيئة من تاريخ الدولة.
رحم الله وصفي التل، ورحم الله حابس المجالي، وحفظ الأردن، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، عزيزًا قويًا، تُصان فيه الذاكرة الوطنية كما تُصان الأرض والسيادة
“احترام رموز الدولة ليس تقديسًا للأشخاص، بل وفاءٌ لتاريخ وطن، وصونٌ لذاكرة أمة.
* امين عام وزارة البلديات سابقاً.. مفوض البنية التحتية للمناطق التنموية سابقا