لا تسأل لماذا ساءت أخلاق الناس
أ. د. هاني الضمور
06-07-2026 11:57 AM
ليس أخطر ما يصيب أمةً أن تنتشر فيها الجريمة، أو أن يعلو فيها صوت الفساد، أو أن تتراجع فيها الأخلاق. الأخطر من ذلك كله أن يصبح الناس معتادين على المشهد، فلا يعود الظلم يثير غضبًا، ولا الكذب يوقظ ضميرًا، ولا الفساد يلفت انتباهًا. عندها لا تكون الأزمة أزمة أفراد، بل أزمة مجتمع فقد حساسيته تجاه الحق.
كلما تفاقمت المشكلات، خرج من يقول: “الناس فسدت أخلاقهم، ولا يصلحهم إلا الحزم، ولا يردعهم إلا العقاب.” إنها العبارة التي تتكرر في كل زمان، وكأن الإنسان يولد فاسدًا، وكأن المجتمع لا علاقة له بصناعة سلوك أفراده.
لكن الحقيقة أكثر عمقًا وإيلامًا.
فالناس لا يستيقظون صباحًا وقد قرروا أن يكونوا فاسدين. الأخلاق لا تنهار في ليلة واحدة، وإنما تموت ببطء، كلما شاهد الناس ظلمًا بلا حساب، وفسادًا بلا عقاب، وحقًا يُسلب من صاحبه، بينما تُفتح الأبواب لمن يملك النفوذ أو المال أو الواسطة.
عندما يرى الشاب أن الاجتهاد لا يكفي، وأن الكفاءة قد تُهزم أمام المحسوبية، وعندما يرى الموظف أن الأمانة تُثقل صاحبها، بينما يحقق المتلاعبون المكاسب، وعندما يشعر المواطن أن القانون يشتد على الضعيف، ويلين أمام القوي، فإن المشكلة لم تعد في أخلاق الأفراد، بل في الرسائل اليومية التي يبعثها المجتمع إلى أفراده.
ولهذا كان جواب الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز خالدًا حين كتب إليه أحد ولاته يشكو فساد الناس، ويرى أن علاجهم لا يكون إلا بالسيف والسوط، فأجابه بكلمات تختصر فلسفة الإصلاح كلها: “بل يصلحهم العدل والحق.”
كم نحن بحاجة إلى هذه الكلمات اليوم.
لقد أصبح من السهل أن نطالب الناس بالنزاهة، بينما يرون الفساد يترقى. ومن السهل أن نخطب عن الصدق، بينما الكذب يحقق المكاسب. ومن السهل أن نلوم الشباب على اليأس، بينما يرون الفرص تُوزع بغير ميزان العدالة.
الأخلاق لا تعيش في الفراغ، وإنما تحتاج إلى بيئة تحميها. والعدل هو تلك البيئة.
فالعدل ليس مجرد أحكام تصدرها المحاكم، بل هو شعور عام يسكن قلوب الناس. أن يشعر الإنسان أن كرامته محفوظة، وأن حقه لن يضيع، وأن القانون لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين مسؤول ومواطن، ولا بين قريب وغريب. عندما يعيش الناس هذا الشعور، يصبح احترام النظام جزءًا من أخلاقهم، لا خوفًا من العقوبة، بل إيمانًا بقيمته.
أما حين يغيب العدل، فإن العقوبات تتحول إلى مسكنات لا تعالج المرض. قد تخيف الناس أيامًا أو أشهرًا، لكنها لا تبني ضميرًا، ولا تزرع قيمة، ولا تصنع مجتمعًا مستقيمًا.
ولذلك، فإن الأمم لا تُقاس بعدد سجونها، ولا بقسوة قوانينها، بل بمقدار الثقة التي يشعر بها الإنسان وهو يطالب بحقه. فالعدالة التي يثق بها الناس أقوى من ألف حاجز، وأبلغ أثرًا من ألف عقوبة.
إن أخطر أنواع الظلم ليس ذلك الذي يقع على فرد، بل الظلم الذي يتحول إلى ثقافة. حين يقتنع الناس أن الحقوق لا تُنال إلا بالواسطة، وأن النفوذ فوق القانون، وأن الصدق لا يُجدي، يبدأ الانهيار الحقيقي. عندها لا يفسد شخص أو مؤسسة، بل تتآكل منظومة القيم كلها، ويصبح الفساد وسيلةً عادية للعيش، لا استثناءً يُستنكر.
ومن هنا تبدأ خسارة الأمم، لا من ضعف اقتصادها أو قلة مواردها، بل من لحظة فقدانها الثقة بالعدل.
إن التاريخ لا يحفظ أسماء الدول التي امتلكت أقوى أدوات القمع، وإنما يحفظ أسماء الحضارات التي أقامت ميزان الإنصاف. فالدولة التي يخافها الناس قد تستمر زمنًا، أما الدولة التي يثق بها الناس فهي التي تبقى.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تشديد العقوبات، بل من إصلاح ميزان العدالة. يبدأ من محاسبة الجميع بلا استثناء، ومن حماية الضعيف، ومن تكافؤ الفرص، ومن قضاء مستقل، ومن إدارة ترى المنصب مسؤولية لا امتيازًا.
حينها فقط تتغير الأخلاق، لأن الناس يتعلمون من الواقع أكثر مما يتعلمون من الخطب. فإذا كان الواقع عادلًا، أصبح الصدق قيمة، والأمانة طريقًا، والعمل الشريف مصدر فخر. أما إذا كان الواقع يكافئ الفساد، فلن تستطيع آلاف الخطب أن تقنع الناس بعكس ما يرونه كل يوم.
إن السؤال الصحيح ليس: لماذا ساءت أخلاق الناس؟
بل السؤال الذي يجب أن يؤرقنا هو: ماذا فعلنا حتى أصبح العدل غريبًا بين الناس؟
فإذا عاد العدل إلى مكانه، عادت معه الأخلاق. وإذا استقام ميزان الحق، استقامت النفوس. أما إذا بقي الظلم سيد المشهد، فلن تُصلح أمةً كثرةُ السياط، ولن يبني مستقبلًا ضجيجُ العقوبات، لأن الأمم لا يحفظها الخوف… بل يحفظها العدل.