عام 1992 رافقت الفنان التلقائي جمال خليف في رحلة الى أسيوط بمصر. للمشاركة في مهرجان الربابة في بلد الصعايدة الذين يعزف فنانينهم على ربابة من جلد السمك لا تزيد عن حجم حبة الحرّوش الناضجة.
ركبنا القطار من القاهرة الى أسيوط واستمتعنا بدعوة الصعايدة للشاي الذي طبخوه على موقد غاز صغير جلوسا على الأرض. المصري الذي دعانا للشاي بسبب لباسنا (طقم سلطي مع عباءة) أخبرنا أن ابنه يعمل في مدينة الزرقاء منذ عامين. وهو ينفح العائلة مائة دولار شهريا تشكل فراطتها بالجنيهات المصرية مصروف الجامعة لأخيه. والفذّ منها للوازم البيت...
استعرنا مفردة الفذّ من الشاعر الشعبي الكركي الذي وصف زيحة اللجون (معركة اللجون) التي اكتال فيها الكركيون مكسبهم من ملح البارود بالصاع فقال شاعرهم.. اللي حضرها يا فهد راح مكتال.. ومن فذّة المونة شرى له هدوم..
خلال المهرجان ركب معنا (انا وجمال الاغوات) شاب أشقر يدل لونه وجهله باللغة العربية انه اجنبي.. جاملته بـ كيف حالك بالإنجليزية فهز رأسه مع ابتسامة مفرطة. قال لنا المرافق من وزارة الثقافة.. ده يهودي ما يفهمش لا عربي ولا انجليزي.. ضغط السائق على الفرامل بغضب وسأل. من اللي جابه ؟؟ رد المرافق وهو يشيح جانبا. جابه مبارك (يقصد الرئيس المصري في ذلك الزمن) تحركت السيارة وقال السائق.. ما يهوّبش على العربية دي مرّة تانيه..
في الأيام التالية غاب الأشقر عن المهرجان. غنى جمال خليف من شعر حسن الأطرش يا ديرتي مالك علينا لوم لومك على من بغى وخان ... تحدثت في الندوة عن الأردني الذي يصنع الربابة من جلد معدة الخروف وينظم قوسها من شعر ذيل الفرس..
تذكرت الأشقر الذي طار من المهرجان في اليوم الثاني وأنا اقرأ للرئيس الجندي المتمرّس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية رسمية بمصر، مساء السبت، استبعد إمكانية «التطبيع الشعبي» مع إسرائيل مع عدم قيام دولة فلسطينية، واستمرار الخروقات الإسرائيلية؛ مؤكداً أن الحل يكمن في الوصول إلى «سلام عادل وشامل ... ».
جاء ذلك غداة غضب إسرائيلي برز عبر أبواق موالية لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما رفع مدرب منتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، علم فلسطين عقب فوز فريقه على أستراليا في دور الـ32 لبطولة كأس العالم...
بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تدفق اليهود على المحروسة. فرحت الفنادق ورجال السياحة بإنفاقهم ولكن الشعب المصري تجاهلهم..
احتج رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن على عدم زيارة مصري واحد (ولو يهودي) لإسرائيل مقابل آلاف منهم يهود مصريين جاؤوا حنينا لمسقط رأسهم...
تذكر أنور السادات أن الاقباط كانوا يحجون الى القدس سنويا بتصريح واحد يغني عن جوازات السفر بموجب اتفاقية بين المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية المتحدة... ارسل الى بابا الاقباط شنوده يطلب تجهيز رحلة حج الى القدس مجانا على نفقة الحكومة...
جاء الجواب من الصحفي والشاعر نظير جيد الذي اعتلى كرسي الكنيسة المرقصية صادما.. المقاطعة العربية لمصر حالة طارئة ستزول اليوم او غداً... أنا لا استطيع أن اجعل الاقباط خونة الامة العربية فهم جزء من نسيجها...
غادر مرسال السادات وطلب البابا من سكرتيره ابلاغ أقباط حكومة السادات أن يقللوا من الظهور مع الإسرائيليين خلال زيارة الآخيرين الى مصر ...
في أيام السادات الأخيرة حوصر البابا شنودة... طوقت الشرطة والامن المركزي دير وادي النطرون حيث اقام البابا... كان الحصار رمزيا فالدير مع غيره يقع في منطقة نائية بالصحراء ولا يسكنه الا المتعبدين من الرهبان غير المسلحين... بعد شهر قتل السادات على المنصة... جاء البابا الى القاهرة لترؤس قداس جنازة الأنبا صموئيل الذي قتل مع السادات...
بعد اتفاقية أوسلو 1994 ركب الكاتب المسرحي علي سالم سيارته الى إسرائيل... عاد يبشر بإقامة علاقات طبيعية بين الشعبين ونشر كتابا بهذا المعنى... هاجمه الكتاب المصريين. منهم روائيين كبار مثل صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ويوسف القعيد. طرده اتحاد الكتاب المصريين من عضويته وطرده اتحاد الكتاب العرب. وهاجمته لجنة مقاومة التطبيع الثقافي ونقابة الصحفيين المصريين والمؤتمر العام للأدباء المصريين... المكافأة الوحيدة جاءته من إسرائيل دكتوراه فخرية من جامعة بن غوريون. ولكن السلطات المصريّة منعته من السفر لتسلّمها..
أوجز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تاريخ مصر الحاضر والغائب في موقفه عن علاقة المحروسة بإسرائيل. وشروط مصر للتطبيع الذي لا اظنه سيحدث..