الجذور اللاهوتية والتحولات السياسية لفكرة الوطن اليهودي في فلسطين
م. سعيد المصري
29-06-2026 01:31 PM
تمهيد
تُعد قضية فلسطين من أكثر القضايا التي تشابكت فيها الأبعاد الدينية والسياسية والاستراتيجية في التاريخ الحديث. فعلى امتداد ما يقارب قرنين من الزمن، لم تتشكل مواقف القوى الدولية تجاه فلسطين نتيجة اعتبارات جيوسياسية فحسب، بل تأثرت أيضًا بأفكار دينية ولاهوتية كان لها أثر متفاوت في تشكيل الثقافة السياسية لدى قطاعات مؤثرة من صناع القرار والرأي العام، ولا سيما في بريطانيا والولايات المتحدة.
وقد انصبت غالبية الدراسات على تناول أحد هذه الأبعاد بصورة منفصلة؛ فهناك من ركز على نشأة الحركة الصهيونية باعتبارها حركة قومية أوروبية حديثة، وهناك من تناول تطور الفكر البروتستانتي الإنجيلي وتفسيراته للنبوءات، بينما اهتمت دراسات أخرى بتحليل السياسة البريطانية والأمريكية تجاه فلسطين من منظور المصالح الاستراتيجية وحدها. إلا أن قلة من الدراسات حاولت دراسة التفاعل بين هذه المسارات مجتمعة، وتحليل كيفية تأثير كل منها في الآخر عبر مراحل زمنية متعاقبة.
وينطلق هذا البحث من ملاحظة أساسية، وهي أن فهم الظروف التي أفضت إلى قيام الوطن القومي اليهودي في فلسطين لا يكتمل بدراسة الصهيونية السياسية وحدها، كما لا يكتمل بدراسة الفكر اللاهوتي أو السياسة الدولية كلٌّ على حدة، وإنما يتطلب قراءة تاريخية متكاملة تضع هذه المسارات في سياق واحد، مع المحافظة على التمييز بين نشأة كل منها وتطورها واستقلالها النسبي.
وفي هذا الإطار، يميز البحث بين ثلاثة مفاهيم رئيسية كثيرًا ما يجري الخلط بينها، وهي: التدبيرية (Dispensationalism) بوصفها مدرسة لاهوتية لتفسير النبوءات، والمسيحية الصهيونية (Christian Zionism) بوصفها تيارًا دينيًا وسياسيًا يرى في قيام إسرائيل وتطوراتها جزءًا من تحقيق النبوءات الكتابية، والصهيونية السياسية (Political Zionism) بوصفها حركة قومية حديثة هدفت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ورغم وجود تداخل بين هذه المفاهيم في مراحل لاحقة، فإن لكل منها ظروف نشأته، وأهدافه، ومساره التاريخي.
ولا يفترض هذا البحث منذ البداية وجود علاقة سببية مباشرة بين هذه المسارات، كما لا يتبنى فرضية وجود تنسيق تنظيمي سابق بينها. بل يعتمد منهجًا تاريخيًا تحليليًا يقوم على تتبع تطور الأفكار والأحداث والوثائق، وتحليل نقاط الالتقاء والافتراق بينها، مع التمييز بين الحقائق التاريخية التي تثبتها المصادر الأولية، والاستنتاجات التي تؤيدها الأدلة، والفرضيات التي لا تزال محل نقاش بين الباحثين.
ومن هذا المنطلق، تتبنى الدراسة فرضية مؤداها أن المشروع الصهيوني لم ينشأ فجأة مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، وإنما سبقته مرحلة أطول من التكوين الفكري والسياسي، ترى هذه الدراسة أن بداياتها تعود إلى عام 1840، وأنها بلغت مرحلة النضج الأولي بحلول عام 1882، قبل أن تدخل مرحلة التنظيم السياسي الدولي في العقود اللاحقة. وفي المقابل، شهدت الفترة نفسها تطورًا متدرجًا للفكر التدبيري، الذي انتقل من إطار لاهوتي محدود إلى تيار واسع الانتشار، ولا سيما بعد صدور كتاب سكوفيلد المرجعي (Scofield Reference Bible)، الأمر الذي أسهم في تشكيل ثقافة دينية جديدة عُرفت لاحقًا بالمسيحية الصهيونية.
ولا يسعى هذا البحث إلى إثبات أن أحد هذه المسارات كان سببًا مباشرًا في نشوء الآخر، وإنما إلى دراسة طبيعة التفاعل التاريخي بينها، ومدى إسهامها مجتمعة في تكوين البيئة الفكرية والثقافية والسياسية التي أحاطت بفكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ثم في تطور المواقف الغربية المؤيدة لها.
وانطلاقًا من ذلك، يحاول البحث الإجابة عن سؤال رئيس يتمثل في:
إلى أي مدى أسهم تطور التدبيرية في نشوء المسيحية الصهيونية، وكيف تفاعلت هاتان الظاهرتان مع تطور المشروع الصهيوني والتحولات السياسية البريطانية والأمريكية المتعلقة بفلسطين؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يعتمد البحث على تحليل تاريخي متسلسل يبدأ من مرحلة التكوين الفكري للمشروع الصهيوني في أربعينيات القرن التاسع عشر، مرورًا بتطور التدبيرية وانتشارها، ثم نشوء المسيحية الصهيونية، وصولًا إلى دراسة أثر هذه التحولات في البيئة السياسية التي أفضت إلى وعد بلفور، وما تلاه من تطورات حتى قيام دولة إسرائيل
أولاً
الإطار الزمني للدراسة: لماذا تبدأ من عام 1840؟
يختلف المؤرخون في تحديد نقطة البداية التاريخية للمشروع الصهيوني تبعًا للزاوية التي ينظرون منها إلى نشأته. فبعض الدراسات تعتبر انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897 البداية الرسمية للصهيونية السياسية، باعتباره أول إطار تنظيمي جامع للحركة بقيادة تيودور هرتزل. بينما تعيد دراسات أخرى البدايات إلى موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين عام 1882، باعتبارها أول انتقال من الفكرة إلى التطبيق العملي.
إلا أن هذه الدراسة تنطلق من منهج مختلف، يقوم على التمييز بين نشأة الفكرة، ونضوجها، وتنظيمها السياسي، وتنفيذها الدولي.
فالتاريخ يعلمنا أن المشروعات الكبرى لا تبدأ يوم إعلانها الرسمي، بل تسبقها عادة مراحل طويلة من التكوين الفكري والسياسي، تتبلور خلالها الرؤى، وتتشكل التحالفات، وتنضج الظروف التي تجعل تنفيذها ممكنًا.
ومن هذا المنطلق، لا تتعامل هذه الدراسة مع مؤتمر بازل بوصفه نقطة البداية المطلقة للمشروع الصهيوني، وإنما بوصفه بداية مرحلة التنظيم السياسي لحركة كانت جذورها الفكرية والسياسية قد بدأت بالتشكل قبل ذلك بعدة عقود.
وترى الدراسة أن عام 1840 يمثل نقطة تحول تستحق التوقف عندها، ليس لأنه شهد ولادة الحركة الصهيونية بصورتها المعروفة، وإنما لأنه شهد بداية تشكل بيئة فكرية وسياسية جديدة داخل بريطانيا، تزامنت فيها اعتبارات دينية واستراتيجية أسهمت في إعادة طرح مستقبل فلسطين بوصفه قضية تتجاوز إطار الدولة العثمانية وحدودها.
ففي ذلك العام، أدت أزمة الشرق إلى إبراز الأهمية الاستراتيجية لفلسطين بالنسبة لبريطانيا، باعتبارها جزءًا من الطريق إلى الهند، وموقعًا متقدمًا في شرق البحر المتوسط، في الوقت الذي بدأت فيه بعض الشخصيات السياسية والدينية البريطانية تتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن مستقبل الوجود اليهودي في فلسطين، ليس فقط من منطلق ديني، وإنما أيضًا من منظور يخدم المصالح البريطانية بعيدة المدى.
ولا يعني اعتماد عام 1840 نقطة انطلاق لهذه الدراسة أن المشروع الصهيوني كان قد اكتمل في ذلك التاريخ، بل على العكس، فقد كانت تلك بداية مرحلة طويلة من التكوين الفكري والسياسي امتدت حتى عام 1882، الذي يمثل، في تقدير هذه الدراسة، بداية الانتقال من مرحلة بلورة الفكرة إلى مرحلة ترجمتها إلى خطوات عملية أكثر وضوحًا من خلال الهجرات اليهودية المنظمة وبناء النواة الأولى للمشروع على أرض فلسطين.
وبذلك، تقترح الدراسة تقسيم تطور المشروع الصهيوني إلى أربع مراحل متعاقبة:
المرحلة الأولى: مرحلة التكوين الفكري والسياسي (1840–1882).
المرحلة الثانية: مرحلة النضوج والتنظيم السياسي (1882–1897).
المرحلة الثالثة: مرحلة التدويل والحصول على الاعتراف الدولي (1897–1917).
المرحلة الرابعة: مرحلة التنفيذ السياسي على أرض الواقع (1917–1948).
ويشكل هذا التقسيم الإطار الزمني الذي ستسير عليه الدراسة في تحليل العلاقة بين تطور المشروع الصهيوني، وظهور التدبيرية، ثم نشوء المسيحية الصهيونية، والتحولات التي شهدتها السياسات البريطانية والأمريكية تجاه فلسطين.
ثانياً
قبل الصهيونية السياسية… كيف وُلدت الفكرة؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا في تناول تاريخ الصهيونية اختزال بدايتها في انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، أو ربط نشأتها حصراً بشخصية تيودور هرتزل. فذلك المؤتمر شكّل دون شك نقطة تحول تاريخية في تنظيم الحركة الصهيونية سياسيًا، لكنه لم يكن بداية الفكرة، بل كان تتويجًا لمسار فكري وسياسي سبق انعقاده بعقود.
وتنطلق هذه الدراسة من التمييز بين الفكرة بوصفها تصورًا سياسيًا واستراتيجيًا، وبين الحركة بوصفها تنظيمًا سياسيًا، وبين المشروع بوصفه برنامجًا يسعى إلى التنفيذ على أرض الواقع.
فالأفكار الكبرى لا تولد مكتملة، ولا تظهر فجأة مع إعلان تأسيس منظمة أو انعقاد مؤتمر، وإنما تتطور عبر مراحل متعاقبة تتفاعل فيها الظروف الفكرية والدينية والسياسية والاستراتيجية حتى تصل إلى مرحلة التنظيم والتنفيذ.
وفي حالة المشروع الصهيوني، تشير الدراسة إلى أن الجذور الأولى للفكرة بصيغتها السياسية الحديثة بدأت تتبلور داخل البيئة البريطانية منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، في مرحلة شهدت تغيرات عميقة في نظرة بريطانيا إلى المشرق العربي عمومًا، وإلى فلسطين على وجه الخصوص.
وكانت أزمة الشرق عام 1840 من أبرز المحطات التي دفعت بريطانيا إلى إعادة تقييم موقع فلسطين في استراتيجيتها الإمبراطورية. فقد أدركت لندن أن استقرار الطريق المؤدي إلى الهند، والحفاظ على توازن القوى في شرق البحر المتوسط، يفرضان اهتمامًا متزايدًا بهذه المنطقة التي كانت لا تزال جزءًا من الدولة العثمانية.
وفي هذا السياق، بدأ يظهر داخل بعض الأوساط السياسية والفكرية البريطانية اتجاه يرى أن تشجيع توطين اليهود في فلسطين قد يحقق أكثر من هدف في آن واحد؛ فمن جهة، يمكن أن يخدم المصالح البريطانية في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة، ومن جهة أخرى، وجد هذا التصور قبولًا لدى بعض التيارات البروتستانتية التي كانت ترى في عودة اليهود إلى فلسطين انسجامًا مع قراءتها لبعض النبوءات التوراتية.
ومن المهم التأكيد هنا على أن هذه الدراسة لا تعتبر أن تلك الطروحات كانت تمثل سياسة بريطانية رسمية في ذلك الوقت، كما لا ترى أنها كانت تعبر عن موقف موحد داخل المؤسسة السياسية أو الدينية البريطانية. وإنما تشير إلى بداية تشكل مناخ فكري وسياسي أخذ يمنح فكرة الوطن اليهودي في فلسطين حضورًا متزايدًا داخل دوائر النقاش، بعد أن كانت هذه الفكرة محصورة إلى حد كبير في نطاق التفسيرات الدينية أو المبادرات الفردية.
وخلال العقود اللاحقة، اتسعت دائرة النقاش حول مستقبل فلسطين، وتداخلت فيها اعتبارات متعددة؛ فهناك من نظر إلى المسألة من زاوية دينية، وهناك من رأى فيها وسيلة لتعزيز النفوذ البريطاني في الشرق، بينما اعتبرها آخرون جزءًا من معالجة ما كان يُعرف في أوروبا آنذاك بـ”المسألة اليهودية”. ورغم اختلاف الدوافع، فإن هذه الاتجاهات المختلفة أسهمت مجتمعة في توفير بيئة فكرية أكثر تقبلًا لفكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين.
وترى هذه الدراسة أن الفترة الممتدة بين 1840 و1882 تمثل مرحلة التكوين الفكري والسياسي للمشروع الصهيوني، وهي المرحلة التي لم تكن قد شهدت بعد قيام حركة سياسية صهيونية منظمة، لكنها شهدت بوضوح تبلور العناصر الأساسية التي سيقوم عليها المشروع لاحقًا. أما عام 1882، فيمثل بداية مرحلة جديدة، انتقلت فيها الفكرة من إطار النقاشات السياسية والفكرية إلى خطوات عملية على الأرض، مع بدء موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين، وتأسيس أولى المستعمرات الزراعية التي ستصبح لاحقًا نواة المشروع الاستيطاني.
ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تنظر إلى مؤتمر بازل باعتباره لحظة الميلاد، بل باعتباره لحظة الإعلان السياسي عن مشروع سبقته عملية طويلة من الإعداد الفكري والسياسي والاستراتيجي، استغرقت ما يقرب من ستة عقود.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة، لأنه يسمح بفهم التطورات اللاحقة ضمن سياقها التاريخي الصحيح، ويجنب الوقوع في اختزال تاريخ المشروع الصهيوني في حدث واحد أو شخصية واحدة، بينما تشير الوقائع إلى أنه كان نتاج مسار تراكمي شاركت في تشكيله عوامل متعددة، دينية وسياسية واستراتيجية، تفاعلت فيما بينها عبر الزمن
ثالثًا
البيئة الدينية البروتستانتية البريطانية قبل ظهور التدبيرية
لا يمكن فهم ظهور التدبيرية (Dispensationalism) باعتبارها مدرسة لاهوتية جديدة دون فهم البيئة الدينية التي سبقتها. فالأفكار الكبرى لا تنشأ في فراغ، وإنما تتطور داخل مناخ فكري تتراكم فيه الأسئلة، قبل أن تظهر شخصية تمتلك القدرة على إعادة تنظيمها في إطار فكري متماسك. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة التدبيرية لا تبدأ مع جون نلسون داربي، وإنما تبدأ مع التحولات الفكرية والدينية التي شهدتها بريطانيا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتي هيأت الأرضية لظهور هذا الاتجاه اللاهوتي في القرن التاسع عشر.
وقد أدى الإصلاح البروتستانتي (Protestant Reformation)، منذ القرن السادس عشر، إلى إحداث تحول عميق في طريقة قراءة الكتاب المقدس. فبعد أن كان تفسير النصوص الدينية يعتمد بدرجة كبيرة على سلطة الكنيسة وتقاليدها، أصبح النص الكتابي نفسه هو المرجع الأعلى في العقيدة والتفسير. وترتب على ذلك اهتمام متزايد بالدراسة المباشرة للعهدين القديم والجديد، وإعادة النظر في كثير من التفسيرات التقليدية، ولا سيما تلك المتعلقة بالنبوءات وأحداث آخر الزمان.
ومع مرور الزمن، ازداد الاهتمام داخل عدد من الأوساط البروتستانتية البريطانية بما يُعرف بـ اللاهوت النبوي (Prophetic Theology)، أي دراسة النبوءات الواردة في أسفار مثل سفر دانيال وسفر الرؤيا، ومحاولة فهم علاقتها بالتاريخ وبالأحداث المستقبلية. ولم يكن هذا الاهتمام مجرد نقاش لاهوتي مجرد، بل أصبح جزءًا من الثقافة الدينية السائدة لدى عدد من الكنائس والجماعات الإنجيلية، التي رأت أن التاريخ الإنساني يسير وفق خطة إلهية يمكن تتبع ملامحها من خلال النصوص المقدسة.
وفي هذا السياق، اكتسب العهد القديم مكانة متزايدة في تفسير المستقبل، بعد أن كان التركيز التقليدي ينصب بدرجة أكبر على العهد الجديد. وبدأت تظهر قراءات جديدة للوعود الواردة لإبراهيم ونسله، ولنبوءات الأنبياء المتعلقة بإسرائيل وأورشليم، متسائلةً عما إذا كانت تلك الوعود قد تحققت بالكامل في الماضي، أم أنها لا تزال تحمل أبعادًا مستقبلية لم تكتمل بعد.
وقد تزامن هذا الاهتمام مع اتساع النشاط التبشيري، وانتشار جمعيات دراسة الكتاب المقدس، وازدياد تداول المؤلفات التي تبحث في تفسير النبوءات، الأمر الذي أسهم في خلق بيئة فكرية كانت أكثر استعدادًا لتقبل اجتهادات لاهوتية جديدة، ما دامت تستند إلى قراءة مباشرة للنصوص الكتابية.
ومن المهم التأكيد على أن هذه البيئة لم تكن موحدة في آرائها، بل كانت تضم اتجاهات متعددة، اختلفت في تفسير النبوءات، وفي فهم العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، وفي طبيعة دور إسرائيل في التاريخ الديني. ولذلك، فإن الاهتمام بإسرائيل لم يكن حكرًا على اتجاه لاهوتي واحد، كما أن الدعوة إلى إعادة قراءة النبوءات لم تكن تعني بالضرورة تبني موقف سياسي محدد تجاه فلسطين.
إلا أن هذا المناخ الفكري أسهم في طرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة بالدرجة نفسها في القرون السابقة. ومن أبرزها: هل ما زالت الوعود الإلهية الواردة في العهد القديم موجهة إلى الشعب اليهودي بوصفه أمة، أم أنها تحققت بالكامل في الكنيسة؟ وهل لإسرائيل دور مستقبلي في الخطة الإلهية، أم أن دورها انتهى بظهور المسيحية؟
كانت هذه الأسئلة، في بدايتها، موضوعًا للنقاش اللاهوتي أكثر منها برنامجًا سياسيًا. غير أن أهميتها تكمن في أنها وفرت الإطار الفكري الذي ستتبلور داخله لاحقًا المدرسة التدبيرية، والتي ستقدم إجابات مختلفة عن تلك التي تبنتها معظم الكنائس التقليدية.
ومن هنا، فإن ظهور جون نلسون داربي لم يكن انقطاعًا عن السياق الديني الذي سبقه، بل كان امتدادًا له من جهة، وتحولًا نوعيًا فيه من جهة أخرى. فقد وجد داربي بيئة لاهوتية مشغولة بتفسير النبوءات، وبمكانة إسرائيل في التاريخ الديني، لكنه قدم لهذه النقاشات بناءً فكريًا أكثر تكاملًا واتساقًا، سيصبح لاحقًا أحد أكثر المناهج تأثيرًا في الفكر الإنجيلي الحديث.
وبذلك، يمكن القول إن البيئة البروتستانتية البريطانية لم تُنتج التدبيرية بصورة مباشرة، لكنها هيأت الأرضية الفكرية التي سمحت بظهورها وانتشارها، قبل أن تتخذ على يد داربي شكلها المنهجي المعروف.
جملة انتقالية إلى المحور التالي
إذا كانت البيئة البروتستانتية البريطانية قد وفرت المناخ الفكري الذي أعاد فتح النقاش حول النبوءات ومكانة إسرائيل في التاريخ الديني، فإن جون نلسون داربي (John Nelson Darby) هو الشخصية التي نجحت في تحويل تلك النقاشات إلى منظومة لاهوتية متكاملة، عُرفت لاحقًا باسم التدبيرية (Dispensationalism)، والتي سيكون لها أثر بالغ في الفكر الإنجيلي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
رابعًا
جون نلسون داربي… هندسة التدبيرية وتحولها إلى منظومة لاهوتية
إذا كانت البيئة الدينية البروتستانتية في بريطانيا قد هيأت الأرضية الفكرية لإعادة قراءة النبوءات الكتابية، فإن الشخصية التي نجحت في تحويل تلك النقاشات المتفرقة إلى منظومة لاهوتية متكاملة كانت جون نلسون داربي (John Nelson Darby)، الذي يُعد المؤسس الفكري لما عُرف لاحقًا باسم التدبيرية (Dispensationalism).
ولا تكمن أهمية داربي في كونه أول من اهتم بالنبوءات أو بمستقبل إسرائيل، فهذه الموضوعات كانت مطروحة قبله داخل عدد من الأوساط البروتستانتية، وإنما تكمن في أنه أعاد تنظيمها ضمن بناء لاهوتي متماسك، ربط بين التاريخ والنبوة والخلاص في إطار واحد، وأعطى لكل مرحلة من مراحل التاريخ وظيفة محددة ضمن ما اعتبره الخطة الإلهية لتدبير شؤون البشر.
ولد داربي في لندن عام 1800 لأسرة أنجلو-إيرلندية، وتلقى تعليمه في القانون قبل أن يتجه إلى العمل الكنسي داخل الكنيسة الأنجليكانية (Church of England). غير أن خلافاته اللاهوتية والتنظيمية مع الكنيسة دفعته إلى الانضمام إلى حركة إخوة بليموث (Plymouth Brethren)، التي دعت إلى العودة إلى النص الكتابي بوصفه المرجع الأعلى للعقيدة، بعيدًا عن سلطة المؤسسات الكنسية التقليدية.
وفي إطار هذه الحركة، بدأ داربي يعيد النظر في كثير من التفسيرات السائدة للنبوءات، وطرح سؤالًا اعتبره جوهريًا: هل تتحدث جميع الوعود الواردة في الكتاب المقدس عن الكنيسة، أم أن بعضها لا يزال مخصصًا لإسرائيل بوصفها أمة؟
كان هذا السؤال نقطة الانطلاق التي بُنيت عليها التدبيرية.
ففي حين كانت معظم الكنائس التقليدية ترى أن الكنيسة أصبحت الامتداد الروحي لشعب الله، وأن كثيرًا من الوعود الواردة في العهد القديم قد تحققت فيها، ذهب داربي إلى تفسير مختلف، يقوم على أن الله يتعامل مع البشرية عبر تدابير (Dispensations) أو مراحل تاريخية متعاقبة، لكل منها خصائصها وأحكامها، وأن التمييز بين هذه التدابير ضروري لفهم النصوص الكتابية.
ومن هذا المنطلق، ميز داربي بصورة واضحة بين إسرائيل والكنيسة، معتبرًا أن لكل منهما دورًا مختلفًا في الخطة الإلهية. فالكنيسة، بحسب تصوره، ليست استمرارًا لإسرائيل، كما أن الوعود القومية التي أعطاها الله لإسرائيل في العهد القديم لم تُلغَ، وإنما تأجل تحقيقها إلى المستقبل.
وقد أدى هذا التفسير إلى إعادة قراءة كثير من النبوءات المتعلقة بإسرائيل، والقدس، والهيكل، وعودة المسيح، بوصفها أحداثًا مستقبلية لم تتحقق بعد، وليست مجرد رموز روحية أو إشارات تحققت في الكنيسة.
وانطلاقًا من هذا البناء اللاهوتي، أصبحت عودة اليهود إلى أرض فلسطين، في نظر داربي، جزءًا من التسلسل النبوي للأحداث الأخيرة، لا باعتبارها هدفًا سياسيًا بحد ذاته، وإنما باعتبارها مرحلة من مراحل الخطة الإلهية التي تسبق عودة المسيح.
ومن أهم النتائج التي ترتبت على هذا النظام اللاهوتي ظهور مفهوم اختطاف الكنيسة (Rapture) قبل فترة الضيقة، ثم عودة التركيز الإلهي إلى إسرائيل خلال ما عُرف لاحقًا بفترة الضيقة ذات السنوات السبع (Seven-Year Tribulation)، التي تُستأنف خلالها الأحداث النبوية المتعلقة بالشعب اليهودي، وتنتهي بعودة المسيح وإقامة الملك الألفي (Millennial Kingdom).
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المنظومة لم تحظَ بقبول واسع داخل الكنائس التقليدية، التي رفضت الفصل الحاد بين إسرائيل والكنيسة، كما رفضت كثير منها التسلسل الزمني الذي اقترحه داربي لأحداث نهاية الزمان. ومع ذلك، فإن تأثيره لم يقاس بمدى قبول الكنائس التاريخية لأفكاره، وإنما بقدرته على تقديم نظام تفسيري متكامل جذب عددًا متزايدًا من الوعاظ والدارسين داخل الأوساط الإنجيلية.
وتكمن قوة هذا النظام في أنه لم يقدم تفسيرات منفصلة لنصوص متفرقة، بل قدم رؤية شاملة للتاريخ الديني، يبدأ فيها التاريخ بالخليقة، ويمر بتدابير متعددة، وينتهي بعودة المسيح وإقامة ملكه على الأرض، مع منح إسرائيل موقعًا محوريًا في المراحل الأخيرة من هذا التسلسل.
وبذلك، لم تعد النبوءات مجرد نصوص تحتاج إلى تفسير، بل أصبحت، في نظر أتباع هذا الاتجاه، خريطة تاريخية يمكن من خلالها فهم الماضي وقراءة الحاضر واستشراف المستقبل.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل التدبيرية تتجاوز حدود النقاش اللاهوتي، لتصبح لاحقًا أحد أكثر الاتجاهات تأثيرًا في الفكر الإنجيلي الحديث، ولا سيما بعد أن وجدت من ينقلها من الدوائر اللاهوتية المتخصصة إلى جمهور واسع من القراء، وهو الدور الذي سيتولاه سايروس إنجرسون سكوفيلد (Cyrus Ingerson Scofield) من خلال كتاب سكوفيلد المرجعي (Scofield Reference Bible)، الذي سيشكل المرحلة التالية في تطور هذا الفكر وانتشاره.
خامسًا
سكوفيلد… من بناء المنظومة إلى نشرها عالميًا
إذا كان جون نلسون داربي قد وضع الأسس الفكرية للتدبيرية، فإن سايروس إنجرسون سكوفيلد (Cyrus Ingerson Scofield) هو الشخصية التي نقلت هذه المنظومة من نطاق النقاشات اللاهوتية المحدودة إلى فضاء واسع من الانتشار داخل الأوساط الإنجيلية، ولا سيما في الولايات المتحدة.
وتكمن أهمية سكوفيلد في أنه لم يكتفِ بتجميع أفكار داربي أو إعادة نشرها، بل أعاد تنظيمها وتبويبها وربط عناصرها ضمن بناء تفسيري أكثر تماسكًا وسهولة للقارئ العادي. فقد استطاع أن يحول منظومة لاهوتية معقدة إلى إطار تفسيري متكامل، يرافق النص الكتابي نفسه، بحيث أصبح القارئ يتلقى النص وتفسيره في صفحة واحدة.
ولهذا، فإن هذه الدراسة تميز بين الدورين؛ فداربي يمثل مرحلة التأسيس اللاهوتي، بينما يمثل سكوفيلد مرحلة البناء والتطوير والانتشار.
وفي عام 1909، أصدر سكوفيلد كتاب سكوفيلد المرجعي (Scofield Reference Bible)، الذي اعتمد نص نسخة الملك جيمس (King James Version)، وأضاف إليه آلاف الملاحظات التفسيرية، والإحالات المرجعية، والجداول الزمنية، والخرائط، والهوامش التي قدمت للقارئ نظامًا متكاملًا لفهم التاريخ الكتابي وفق الرؤية التدبيرية.
ولم تكن أهمية هذا الإصدار في كونه ترجمة جديدة للكتاب المقدس، بل في أنه جمع بين النص المقدس والتفسير في عمل واحد. وقد أدى ذلك إلى انتشار واسع لهذا المنهج بين رجال الدين وطلاب اللاهوت والقراء، حتى أصبحت ملاحظات سكوفيلد، لدى كثير من أتباع هذا الاتجاه، المرجع العملي لفهم النبوءات الكتابية.
وفي عام 1917 صدرت الطبعة المنقحة من الكتاب، في مرحلة تاريخية تزامنت مع تحولات سياسية كبرى، كان من أبرزها صدور وعد بلفور، واستمرار النقاش الدولي حول مستقبل فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.
وهنا تبرز إحدى القضايا التي ستناقشها هذه الدراسة بصورة تحليلية، وهي ما إذا كان هذا التزامن التاريخي يعكس مجرد تقارب زمني، أم أنه يعبر عن تفاعل أوسع بين تطور الفكر اللاهوتي والتحولات السياسية في العالم الأنغلوسكسوني. ولا تنطلق الدراسة من افتراض وجود تأثير مباشر أو تنسيق مسبق، وإنما ستتناول هذه القضية في ضوء الوثائق والأدلة التاريخية المتاحة.
وقد حافظ سكوفيلد على المرتكزات الأساسية التي وضعها داربي، وفي مقدمتها:
التمييز بين إسرائيل والكنيسة.
تقسيم التاريخ إلى تدابير متعاقبة.
استمرار الوعود الإلهية الخاصة بإسرائيل.
اختطاف الكنيسة قبل فترة الضيقة.
مركزية إسرائيل والقدس والهيكل في أحداث نهاية الزمان.
إلا أن إسهامه الأبرز تمثل في تقديم هذه الأفكار في صورة تعليمية متماسكة، يسهل تداولها وتدريسها واعتمادها داخل الكنائس والمعاهد اللاهوتية. وبهذا المعنى، لم يعد الفكر التدبيري اجتهادًا لاهوتيًا مرتبطًا بشخص داربي، بل أصبح مدرسة تفسيرية متكاملة، لها أدواتها التعليمية، ومراجعها، ومؤسساتها، وجمهورها الواسع.
ومن هنا، فإن دراسة أثر سكوفيلد لا ينبغي أن تقتصر على تحليل أفكاره، بل تمتد إلى دراسة أثر الوسيلة التي اختارها لنشرها. فقد أسهم دمج التفسير بالنص الكتابي في ترسيخ القراءة التدبيرية لدى أعداد كبيرة من القراء، وجعلها، بالنسبة لكثير منهم، الإطار الطبيعي لفهم النبوءات والتاريخ الكتابي.
وبذلك، انتقلت التدبيرية من مرحلة البناء الفكري إلى مرحلة الانتشار الجماهيري، وهي المرحلة التي مهدت الطريق لظهور ما سيعرف لاحقًا بالمسيحية الصهيونية، التي لم تعد تقتصر على تفسير النبوءات، بل تحولت تدريجيًا إلى رؤية دينية ذات انعكاسات ثقافية وسياسية، سيكون لها تأثير متزايد في الخطاب الإنجيلي، ثم في بعض دوائر صنع القرار في بريطانيا والولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن دراسة سكوفيلد لا تمثل نهاية تطور التدبيرية، وإنما تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخها؛ مرحلة الانتقال من مدرسة لاهوتية إلى تيار ديني واسع التأثير، وهو ما يمهد للانتقال إلى المحور التالي، الذي يتناول نشأة المسيحية الصهيونية وتطورها وعلاقتها بالفكر التدبيري.
سادسًا
المسيحية الصهيونية… من التفسير اللاهوتي إلى الرؤية الدينية والسياسية
إذا كانت التدبيرية (Dispensationalism) قد قدمت الإطار اللاهوتي لتفسير النبوءات المتعلقة بإسرائيل وأحداث نهاية الزمان، فإن المسيحية الصهيونية (Christian Zionism) تمثل المرحلة التي تجاوزت فيها تلك التفسيرات حدود النقاش اللاهوتي، لتتحول إلى رؤية دينية ذات انعكاسات ثقافية وسياسية.
ومنذ البداية، تؤكد هذه الدراسة على ضرورة التمييز بين المفهومين. فالتدبيرية هي مدرسة لاهوتية تعنى بتفسير النصوص الكتابية وتقسيم التاريخ إلى تدابير متعاقبة، أما المسيحية الصهيونية فهي تيار ديني يرى أن دعم قيام إسرائيل واستمرارها وازدهارها ينسجم مع الخطة الإلهية كما يفهمها من خلال تلك التفسيرات النبوية.
وبذلك، فالعلاقة بينهما ليست علاقة تطابق، وإنما علاقة تأسيس وتأثر؛ إذ وفرت التدبيرية الأساس اللاهوتي الذي استندت إليه قطاعات واسعة من المسيحية الصهيونية، دون أن يعني ذلك أن كل تدبيري أصبح مسيحيًا صهيونيًا بالمعنى السياسي، أو أن كل مسيحي صهيوني يتبنى جميع عناصر النظام التدبيري.
وقد ارتكزت المسيحية الصهيونية على مجموعة من المفاهيم التي أصبحت تشكل الإطار الفكري لهذا التيار، ومن أهمها:
استمرار العهود الإلهية الخاصة بإسرائيل وعدم سقوطها بظهور الكنيسة.
اعتبار عودة اليهود إلى فلسطين خطوة ضمن التسلسل النبوي لأحداث آخر الزمان.
الإيمان بأن لإسرائيل دورًا محوريًا في الأحداث التي تسبق عودة المسيح.
توقع إعادة بناء الهيكل الثالث في القدس.
الإيمان بفترة الضيقة ذات السنوات السبع، وما يرتبط بها من أحداث.
الاعتقاد بأن عودة المسيح ستعقب اكتمال هذا التسلسل النبوي.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المفاهيم لم تكن محل إجماع داخل العالم المسيحي، بل ظلت موضع خلاف لاهوتي بين الكنائس. فقد رفضت الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، كما رفضت قطاعات واسعة من الكنائس البروتستانتية التقليدية، فكرة الفصل الكامل بين إسرائيل والكنيسة، ولم تتبنَّ التسلسل الزمني الذي طرحته التدبيرية لأحداث نهاية الزمان.
ومع ذلك، فإن انتشار الفكر التدبيري، ولا سيما في الولايات المتحدة، منح هذه التفسيرات حضورًا متزايدًا داخل الكنائس الإنجيلية، ومعاهد اللاهوت، ووسائل الإعلام الدينية، حتى أصبحت بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المؤمنين الإطار المرجعي لفهم العلاقة بين إسرائيل والنبوءات الكتابية.
ومن هنا، بدأت المسيحية الصهيونية تتجاوز حدود التفسير اللاهوتي، لتؤثر تدريجيًا في المواقف العملية تجاه القضية الفلسطينية. فقد أصبح دعم إسرائيل، لدى قطاعات من أتباع هذا التيار، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد خيار سياسي، بل باعتباره موقفًا دينيًا ينسجم مع فهمهم للنبوءات الكتابية.
ومن المهم التمييز هنا بين مستويين مختلفين:
الأول: المستوى اللاهوتي، الذي يتمثل في تفسير النصوص الكتابية والاعتقاد بأن لإسرائيل دورًا مستقبليًا في الخطة الإلهية.
والثاني: المستوى السياسي، الذي يتمثل في ترجمة هذا الاعتقاد إلى مواقف عملية تدعم السياسات المؤيدة لإسرائيل.
ولا تفترض هذه الدراسة أن الانتقال من المستوى الأول إلى الثاني كان آليًا أو حتميًا، بل ترى أنه جاء نتيجة تفاعل تدريجي بين التفسير الديني، والظروف السياسية، والثقافة العامة، وطبيعة النظام السياسي في بريطانيا ثم الولايات المتحدة، حيث أتاحت البيئة الديمقراطية للكنائس والجماعات الدينية ممارسة تأثير متزايد في الرأي العام وصناع القرار.
ومن هذا المنظور، فإن المسيحية الصهيونية لا تُفهم بوصفها مجرد عقيدة دينية، ولا بوصفها حركة سياسية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة تقع عند نقطة التقاء الدين والثقافة والسياسة. وقد منحها هذا الموقع قدرة استثنائية على التأثير في الخطاب العام، وجعلها أحد أهم الجسور التي انتقلت عبرها بعض الأفكار التدبيرية من المجال اللاهوتي إلى المجال السياسي.
ولهذا، فإن دراسة المسيحية الصهيونية لا تقتصر على تحليل معتقداتها، بل تشمل أيضًا دراسة الكيفية التي أثرت بها هذه المعتقدات في تشكيل اتجاهات الرأي العام، وفي إعادة تعريف العلاقة بين الإيمان الديني والموقف السياسي تجاه إسرائيل.
وهنا تبرز نقطة منهجية بالغة الأهمية؛ فليس المقصود من هذه الدراسة القول إن السياسات الغربية تجاه إسرائيل كانت نتاجًا للمسيحية الصهيونية وحدها، إذ لا يمكن إغفال الاعتبارات الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. وإنما المقصود هو دراسة الكيفية التي أسهم بها هذا التيار في توفير بيئة ثقافية ودينية جعلت بعض الخيارات السياسية أكثر قبولًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما داخل الولايات المتحدة.
وبذلك، يمكن القول إن التدبيرية قدمت الإطار اللاهوتي، بينما مثلت المسيحية الصهيونية مرحلة انتقال هذا الإطار من تفسير ديني للنبوءات إلى ثقافة دينية ذات أبعاد سياسية، وهو التطور الذي سيمهد للبحث في المحور التالي، والمتعلق بعلاقة هذا التيار بالسياسات البريطانية والأمريكية تجاه فلسطين، ومدى تأثيره في البيئة التي أحاطت بوعد بلفور وما تلاه من تطورات تاريخية.
سابعًا
من اللاهوت إلى السياسة: هل أثرت المسيحية الصهيونية في البيئة السياسية البريطانية والأمريكية؟
تمهيد
ينتقل هذا البحث، ابتداءً من هذا المحور، من دراسة نشأة الأفكار وتطورها اللاهوتي إلى دراسة أثرها المحتمل في البيئة السياسية. ولذلك، يلتزم البحث بالتمييز بين ما تثبته الوثائق التاريخية بصورة مباشرة، وبين ما يمكن استنتاجه من تفاعل الأفكار مع الظروف السياسية والاجتماعية، دون افتراض علاقات سببية لا تؤيدها الأدلة.
ولا ينطلق هذا المحور من سؤال عما إذا كانت المسيحية الصهيونية قد صنعت السياسة البريطانية أو الأمريكية، وإنما من سؤال أكثر تحديدًا ودقة:
إلى أي مدى أسهمت المسيحية الصهيونية، بوصفها تيارًا دينيًا وفكريًا، في تشكيل البيئة الثقافية والسياسية التي اتُّخذت في إطارها القرارات المتعلقة بفلسطين؟
إن صياغة السؤال بهذه الطريقة تنقل النقاش من البحث عن “سبب واحد” إلى دراسة تفاعل مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والدينية، وهو المنهج الذي تعتمده هذه الدراسة في تحليلها للأحداث.
البيئة السياسية البريطانية
عندما بدأ الاهتمام البريطاني بفلسطين يتزايد خلال القرن التاسع عشر، لم يكن الدافع دينيًا في المقام الأول، بل ارتبط بمجموعة من الاعتبارات الجيوسياسية التي فرضتها طبيعة الإمبراطورية البريطانية في ذلك العصر.
فقد كانت بريطانيا تنظر إلى شرق البحر المتوسط باعتباره جزءًا من منظومة أمنها الإمبراطوري، ولا سيما في ظل أهمية الطريق المؤدي إلى الهند، التي كانت تمثل جوهرة التاج البريطاني. كما أن التنافس مع القوى الأوروبية الأخرى، وخاصة فرنسا وروسيا، جعل من الحفاظ على النفوذ في المشرق العربي هدفًا استراتيجيًا دائمًا.
وفي هذا السياق، أصبحت فلسطين تكتسب أهمية تتجاوز مساحتها الجغرافية، بسبب موقعها الرابط بين مصر وبلاد الشام، وقربها من طرق التجارة والمواصلات، إضافة إلى رمزيتها الدينية التي منحتها بعدًا سياسيًا إضافيًا في الوعي الأوروبي.
وعليه، فإن السياسة البريطانية تجاه فلسطين لم تتشكل انطلاقًا من عامل واحد، وإنما من تفاعل اعتبارات استراتيجية، وعسكرية، وتجارية، وإمبراطورية، قبل أن تتقاطع لاحقًا مع اعتبارات أخرى ذات طبيعة دينية وفكرية.
البيئة الدينية البريطانية
في موازاة هذا التطور السياسي، شهدت بريطانيا خلال القرن التاسع عشر نشاطًا متزايدًا داخل الأوساط الإنجيلية البروتستانتية، التي أولت اهتمامًا خاصًا بدراسة النبوءات الكتابية، وبمستقبل الشعب اليهودي، وبالعلاقة بين إسرائيل وعودة المسيح.
وقد أسهم انتشار التدبيرية (Dispensationalism)، ثم لاحقًا المسيحية الصهيونية (Christian Zionism)، في توسيع دائرة هذا الاهتمام، وإن لم يكن ذلك بصورة متجانسة داخل جميع الكنائس أو الاتجاهات الدينية.
كما لعبت الجمعيات التبشيرية، وحلقات دراسة الكتاب المقدس، والمطبوعات الدينية، دورًا في نشر هذه الأفكار بين قطاعات من المجتمع البريطاني، الأمر الذي جعلها جزءًا من المناخ الفكري العام، وإن بدرجات متفاوتة.
ومن المهم التأكيد على أن هذا التأثير لم يكن يعني وجود سياسة حكومية مستمدة من العقيدة الدينية، وإنما وجود بيئة ثقافية أصبح فيها الربط بين مستقبل اليهود والنبوءات الكتابية أكثر حضورًا مما كان عليه في فترات سابقة.
عندما التقت النبوءة بالمصلحة
هنا تصل الدراسة إلى نقطة الالتقاء بين المسارين.
ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات من الفكر الديني البروتستانتي ترى في عودة اليهود إلى فلسطين انسجامًا مع فهمها للنبوءات، كانت المؤسسة السياسية البريطانية تنظر إلى المنطقة من زاوية المصالح الإمبراطورية والتوازنات الدولية.
ولا يوجد ما يثبت أن أحد هذين المسارين كان تابعًا للآخر أو خاضعًا له، غير أن الوثائق التاريخية تشير إلى أنهما التقيا، في مراحل معينة، عند نتيجة مشتركة، وإن اختلفت دوافع كل منهما.
فالدافع الديني كان يبحث عن تحقيق ما يراه جزءًا من الخطة الإلهية، بينما كان الدافع السياسي يبحث عن تعزيز النفوذ البريطاني في منطقة استراتيجية. وعندما قادت الدوافع المختلفة إلى تأييد فكرة متقاربة، أصبح من الطبيعي أن يتولد من ذلك مناخ عام أكثر تقبلًا لفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ومن هنا، ترجح هذه الدراسة أن العلاقة بين اللاهوت والسياسة في هذه المرحلة لم تكن علاقة تبعية، وإنما علاقة تفاعل، التقت فيها قناعات دينية مع مصالح استراتيجية، دون أن يُلغي أحدهما استقلال الآخر.
وعد بلفور… بين العقيدة والسياسة
عندما صدر وعد بلفور عام 1917، كانت بريطانيا تخوض واحدة من أعقد مراحل الحرب العالمية الأولى، وكانت حساباتها العسكرية والدبلوماسية والإمبراطورية حاضرة بقوة في عملية صنع القرار.
وفي الوقت نفسه، كان عدد من الشخصيات السياسية البريطانية يحمل قناعات دينية متأثرة بالثقافة البروتستانتية السائدة، الأمر الذي جعل فكرة الوطن القومي اليهودي لا تبدو غريبة عن البيئة الفكرية التي نشأ فيها بعض صناع القرار.
غير أن هذا البحث لا يخلص إلى أن وعد بلفور كان نتيجة مباشرة للمسيحية الصهيونية أو للتدبيرية، كما لا يرى أنه كان مجرد قرار استراتيجي منفصل عن السياق الثقافي والديني الذي صدر فيه.
بل ترجح الدراسة أن القرار جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، من بينها:
المصالح الإمبراطورية البريطانية.
ظروف الحرب العالمية الأولى.
الحركة الصهيونية السياسية.
البيئة الفكرية والدينية البريطانية.
تزايد حضور فكرة الوطن القومي اليهودي في الخطاب العام.
ومن ثم، فإن فهم وعد بلفور يقتضي دراسة هذه العوامل مجتمعة، لا البحث عن سبب منفرد يفسر صدوره.