بين العصمة والمساءلة: هل افترضنا أن المسؤول لا يخطئ؟
د. محمود أبو رمان
29-06-2026 02:29 PM
في كل دولة ومؤسسة، تبقى القرارات البشرية عرضةً للصواب والخطأ، لأن العصمة ليست صفةً للبشر؛ فهي استثناء اختص به الأنبياء عليهم السلام فيما يبلّغون عن الله تعالى. أما ما دون ذلك فالأصل فيه الاجتهاد الذي يصيب ويخطئ، ويقوى بالمراجعة ويضعف بالإصرار على الخطأ.
غير أن بعض البيئات الإدارية تعاني من ظاهرة خطيرة: التعامل مع قرارات المسؤولين باعتبارها فوق النقد، وكأن صدورها من موقع السلطة يجعلها صحيحة بالضرورة. هنا تبدأ الفجوة بين القيادة الرشيدة والحصانة غير المبررة، وبين الاحترام الواجب للمسؤول وافتراض العصمة له.
سلامة الإجراءات لا تعني بالضرورة سلامة النتائج، واكتمال الشكل القانوني لا يكفي للحكم على عدالة القرار أو كفاءته. فقد يستوفي القرارُ الإجراءاتِ الظاهرية لكنه يفتقر إلى الدراسة الكافية أو قراءة الواقع بدقة. من هنا جاءت النظم الحديثة لتؤكد أن الرقابة والمراجعة ليستا طعناً في المسؤول، بل حماية له وللمؤسسة والمصلحة العامة.
ويطرح الواقع سؤالاً مشروعاً: إذا كانت القرارات تتمتع بالسلامة والكفاءة المطلوبة، فلماذا تتكرر الأخطاء؟ ولماذا نشهد قرارات يُتراجع عنها أو تُعدَّل لاحقاً؟ هذه الوقائع تؤكد أن الخطأ البشري حقيقة لا تُنكر، وأن الاعتراف به ومعالجته أكثر حكمةً من تبريره أو إخفائه.
لكن القضية لا تتعلق فقط بالتسليم بأن المسؤول يخطئ ويصيب، فتلك حقيقة لا خلاف عليها. القضية تتعلق بقدرة المؤسسات على اكتشاف الخطأ وتصحيحه ومنع تكراره. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وقوع الخطأ ذاته، بل في تحوله إلى نمط متكرر لا يجد من يراجعه أو يستخلص منه الدروس.
لذا حين تتراكم الأخطاء وتتراجع القرارات، لا يكفي السؤال: من أخطأ؟ بل ينبغي أن نسأل: لماذا لم تُعالج أسباب الخطأ؟ ولماذا تتكرر النتائج ذاتها رغم وضوح المؤشرات؟ وهل الخلل في الأشخاص وحدهم أم في آليات صنع القرار والمتابعة والتقييم؟
المشكلة لا تكمن دائماً في النصوص والأنظمة، بل قد تكمن في طريقة تطبيقها، أو في تضييق دائرة المشاركة في صنع القرار، أو في غياب المعلومات الدقيقة. فالقرارات الرشيدة لا تُقاس بسلامة مظهرها القانوني فحسب، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والكفاءة والمصلحة العامة.
المراجعة المؤسسية الحقيقية لا تبدأ بتصويب الأخطاء بعد وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك بتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، والاستفادة من الكفاءات الوطنية، وفتح المجال أمام الرأي المهني المتخصص بعيداً عن المجاملة. فالقرارات الرشيدة لا تُصنع في البيئات المغلقة، وإنما تنضج بالحوار وتعدد وجهات النظر.
كما أن التراجع عن قرار قد يعكس مرونة في الاستجابة للملاحظات، لكنه يفرض في الوقت ذاته مراجعة جادة لجودة الدراسة الأولية قبل اتخاذه. فنجاح المؤسسات لا يُقاس بعدد القرارات التي تُصدرها، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح من البداية، وتقليل كلفة التصويب اللاحق.
الأمم لا تتقدم حين تبحث عن مبررات دائمة للأخطاء، بل حين تمتلك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بها وتصحيحها. فالمراجعة ليست ضعفاً، والتصويب ليس انتقاصاً من هيبة المسؤول، بل دليل على نضج المؤسسات وثقتها بنفسها. ومن أخطر ما يواجه العمل العام أن يتحول النقد الموضوعي إلى تهمة، أو أن تُعدَّ كل ملاحظة معارضةً أو استهدافاً شخصياً.
الحصانة الحقيقية للمسؤول لا تأتي من غياب الرقابة، بل من نزاهة عمله وشفافيته واستعداده للمساءلة. والقوة الحقيقية للمؤسسات لا تكمن في الدفاع عن كل قرار، بل في قدرتها على تصويبه متى ظهر ما يستوجب ذلك، وفي تمكين أصحاب الخبرة من إبداء الرأي دون خوف.
الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بالاعتراف النظري بإمكانية الخطأ، بل يتطلب ترسيخ منظومة تقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة وتقييم الأداء باستمرار. فالمحاسبة ليست غايةً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية المصلحة العامة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
الأوطان لا تتقدم حين يُبرَّر الخطأ أو يُدار أثره فقط، بل حين تُعالج أسبابه، وتُراجع السياسات التي أفرزته، ويُمنح أصحاب الكفاءة الفرصة الحقيقية للمشاركة في البناء. فالدولة القوية هي التي تجعل القانون فوق الجميع، والمسؤولية مرتبطة بالمحاسبة، والكفاءة معياراً للتقدم.
بين العصمة والمساءلة مسافة واسعة، وفي هذه المسافة تنمو العدالة وتترسخ الثقة وتتقدم الأوطان. وليس الخطر أن يقع المسؤول في الخطأ، فكل البشر يخطئون، وإنما الخطر أن يُمنع الآخرون من الإشارة إليه، أو أن تُعدَّ المراجعة تهديداً لا فرصةً للإصلاح.
الأوطان القوية لا تُبنى بعصمة الأشخاص، بل بسيادة القانون وعدالة المؤسسات وشفافية القرار. والولاء الحقيقي لا يكون بإخفاء الأخطاء أو تبريرها، بل بالمساهمة في كشف مواطن الخلل ومعالجتها. فالإصلاح الصادق أعلى درجات الانتماء، وأقصر الطرق إلى بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.