استخدام الذكاء الاصطناعي في مباريات كأس العالم
د. جهاد يونس القديمات
29-06-2026 02:26 PM
لا يمكن اليوم الحكم على مباراة كرة القدم من خلال النتيجة النهائية فقط، لأن ما يحدث داخل الملعب أصبح أكبر بكثير من عدد الأهداف التي يسجلها كل فريق، فكل مباراة تنتج كما هائلا من البيانات التي تكشف كيف لعب الفريق، ومتى فرض سيطرته، وأين ظهرت نقاط قوته وضعفه، وما القرارات التي صنعت الفارق بين الفوز والخسارة؟، ولهذا أصبح الذكاء الاصطناعي في كأس العالم أحد أبرز ملامح تطور كرة القدم الحديثة، لأنه لم يغير طريقة إدارة المباريات فقط، بل غير أيضا طريقة فهمها وتحليلها، بعدما أصبح يحول حركة اللاعبين والكرة طوال المباراة إلى معلومات دقيقة تساعد المدربين والحكام على رؤية تفاصيل لم يكن من الممكن ملاحظتها بالعين المجردة.
لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة تستخدم في بعض الحالات التحكيمية، بل أصبحت جزءا أساسيا من منظومة اللعبة، فأصبح من الممكن تتبع كل تمريرة وكل تسديد وكل تحرك للاعبين، وحتى سرعة انتقال الكرة بين أقدامهم، ثم تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحليل هذه البيانات وتحويلها إلى تقارير ومؤشرات تساعد الأجهزة الفنية على تقييم الأداء واتخاذ قرارات أكثر دقة، ولهذا يمكن القول إن كأس العالم يمثل مرحلة جديدة أصبحت فيها البيانات عنصرا لا يقل أهمية عن المهارة والخبرة، لأن النجاح لم يعد يعتمد على ما يحدث داخل الملعب فقط، بل أيضا على القدرة على قراءة ما يحدث داخله.
أسهمت تقنيات تتبع اللاعبين والكرة في إحداث نقلة كبيرة في تحليل الأداء، حيث تجمع ملايين البيانات خلال المباراة الواحدة، ثم يعالجها الذكاء الاصطناعي ويحولها إلى معلومات واضحة تمنح المدرب صورة متكاملة عن أداء فريقه، فيتعرف على المساحات التي استغلها اللاعبون، ونقاط الضعف لدى المنافس، ومدى نجاح الخطة الموضوعة، ومستوى التزام اللاعبين بالأدوار المطلوبة؟، وبذلك يصبح القرار الفني قائما على معلومات دقيقة وتحليل موضوعي، وليس على الانطباعات أو الحدس فقط.
في الماضي كان الحكم على أداء أي فريق يرتبط غالبا بالنتيجة النهائية، فإذا فاز الفريق قيل إنه كان الأفضل، وإذا خسر اعتبر أنه لم يقدم المستوى المطلوب، لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن النتيجة لا تعكس دائما حقيقة ما جرى داخل الملعب، فقد يفوز فريق رغم أنه كان أقل سيطرة وأقل صناعة للفرص، وقد يخسر فريق آخر رغم أنه كان الأفضل من حيث الأداء والتنظيم، ولذلك أصبح تحليل المباريات يعتمد على مجموعة من المؤشرات التي تقدم صورة أكثر عمقا وواقعية عن مستوى الأداء.
من أشهر هذه المؤشرات نسبة الاستحواذ على الكرة Ball Possession، التي توضح نسبة الوقت الذي يمتلك فيه كل فريق الكرة، إلا أن هذا المؤشر لم يعد كافيا وحده للحكم على أفضلية أي فريق، لأن الاحتفاظ بالكرة لا يعني بالضرورة السيطرة على المباراة، فقد يستحوذ فريق على الكرة معظم الوقت دون أن ينجح في صناعة فرص حقيقية، بينما يستغل منافسه عددا أقل من الهجمات ويخرج فائزا، ولذلك أصبحت قيمة الاستحواذ تقاس بمدى قدرته على صناعة الفرص وتحويلها إلى أهداف، وليس بعدد الدقائق التي بقيت فيها الكرة بين أقدام اللاعبين.
ظهر كذلك مؤشر أكثر شمولا يعرف بزخم المباراة Match Momentum، وهو لا يقيس امتلاك الكرة فقط، بل يقيس قدرة الفريق على فرض أسلوبه والتحكم في إيقاع اللعب والوصول إلى المناطق الخطرة، واستعادة الكرة بسرعة، وصناعة الفرص المؤثرة، لأن الفريق الأكثر تأثيرا ليس دائما هو الأكثر استحواذا، وإنما هو الفريق الذي يعرف كيف يحول أداءه إلى نتائج.
من المؤشرات التي غيرت طريقة قراءة المباريات أيضا مؤشر الأهداف المتوقعة Expected Goals او xG، وهو يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم جودة الفرص وليس عددها، حيث يحسب احتمال تسجيل الهدف في كل فرصة اعتمادا على مكان التسديدة وزاوية التصويب وطريقة بناء الهجمة وموقع المدافعين، ولذلك قد يسدد فريق عشر مرات دون أن يشكل خطورة حقيقية، بينما يصنع فريق آخر ثلاث فرص فقط تكون أكثر جودة وأقرب إلى التسجيل.
أصبحت مؤشرات أخرى مثل الضغط واستعادة الكرة Pressing and Ball Recovery من الأدوات المهمة في تحليل الأداء، لأنها تقيس قدرة الفريق على استرجاع الكرة بعد فقدانها، ومدى نجاحه في الضغط على المنافس، وسرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما يعكس طبيعة كرة القدم الحديثة التي أصبحت تعتمد على سرعة التفكير والتنظيم الجماعي بقدر اعتمادها على المهارة الفردية.
لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحليل أداء المنتخبات، بل امتد أيضا إلى التحكيم، حيث ساعدت تقنيات مثل التسلل شبه الآلي والكرة الذكية المزودة بالمستشعرات على مساعدة الحكام في اتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة، مع بقاء القرار النهائي للحكم الذي يظل المسؤول الأول عن إدارة المباراة.
عند التأمل في هذه المنظومة نجد أنها لا تختلف كثيرا عما يحدث داخل المنظمات الحديثة، فالمدرب اليوم لا يريد أن يعرف نسبة الاستحواذ أو عدد التمريرات فقط، وإنما يريد أن يفهم ماذا تعني هذه الأرقام، ولماذا ارتفعت أو انخفضت، وكيف يمكن الاستفادة منها لتطوير الأداء في المباراة القادمة؟، وهذا هو الفكر نفسه الذي يقوم عليه ذكاء الأعمال Business Intelligence ، حيث لا تكمن القيمة في جمع البيانات أو تخزينها، وإنما في تحليلها وفهمها وتحويلها إلى قرارات تحقق نتائج أفضل.
في عالم الأعمال تواجه المنظمات التحدي نفسه، فهي تجمع كل يوم كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بالعملاء، والمبيعات والأسواق والعمليات التشغيلية، لكن المنظمة التي تحقق النجاح ليست هي التي تمتلك أكبر كمية من البيانات، وإنما هي التي تستطيع اكتشاف ما تخفيه هذه البيانات من أنماط ومؤشرات تساعدها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
يمكن تشبيه المدرب الحديث بالمدير التنفيذي في المنظمة، فكلاهما يعملان في بيئة تتغير باستمرار، وكلاهما يتعاملان مع كميات هائلة من المعلومات، وكلاهما مطالبان باتخاذ قرارات سريعة ومبنية على الأدلة، ولذلك لم تعد الخبرة وحدها كافية، كما أن البيانات وحدها لا تكفي، وإنما يتحقق النجاح عندما تجتمع خبرة الإنسان مع قدرات الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات.
بعبارة اخرى ان أهم درس يقدمه كأس العالم هو أن النجاح لا يعتمد على امتلاك أكبر قدر من البيانات، وإنما على القدرة على فهمها والاستفادة منها، فالمنتخب الذي يعرف كيف يقرأ بياناته ويحولها إلى قرارات داخل الملعب سيكون أكثر قدرة على التطور والمنافسة، كما أن المنظمة التي تحسن استخدام بياناتها وتحويلها إلى معرفة ستصبح أكثر قدرة على بناء مستقبلها وتحقيق ميزة تنافسية مستدامة.
[email protected]