هل غدت أزماتنا تحتاج الآن إلى حلول جراحية؟
د. اخليف الطراونة
29-06-2026 12:45 PM
ثمة نوع من الأزمات لا يُعلَن عنه، ولا تُصدر له بيانات، ولا يستدعي غرف طوارئ. أزمة تتراكم في صمت الناس حين يتحدثون عن الغلاء على موائد العشاء، وفي عيون الشباب حين يُسألون عن المستقبل فيبتسمون ابتسامة من لا يجد جواباً شافياً ولا أفقاً واضحاً. والأردن ، كغيره من دول العالم، يواجه اليوم هذا النوع من التحديات؛ تحديات لا تُختزل في رقم واحد ولا تُعالَج بقرار واحد، لأنها متشعبة الجذور بقدر ما هي متداخلة النتائج.
البداية من الجيب. حين يقف رب الأسرة أمام فاتورة الكهرباء أو الماء أو سعر المحروقات ويقارنها بدخله، وحين تذهب الأم إلى السوق بمئة دينار فتعود بأقل مما كانت تعود به قبل سنوات، فإن الحديث عن الإصلاح والتحديث يبدو بعيداً عن هموم الحياة اليومية. لقد أصبح الغلاء في الأردن أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي يناقشه الخبراء؛ بل بات شعوراً يومياً يعيشه المواطن، يضيّق هامش الطمأنينة ويزيد من القلق على المستقبل. وحين يُضاف إلى ذلك معدل بطالة مرتفع بين الشباب، رغم ما بذلوه من سنوات في التعليم والتأهيل، فإننا نكون أمام معادلة مقلقة: جيل متعلم يبحث عن فرصة، وطموحات كبيرة تصطدم بواقع محدود الإمكانيات.
ولا يمكن فصل هذه التحديات الاقتصادية عن واقع التعليم، باعتباره أحد أهم المفاتيح القادرة على صناعة التحول والتنمية. لكن التعليم ذاته يستحق وقفة صادقة. فما الذي يخرج به الطالب الأردني بعد سنوات طويلة من الدراسة المدرسية والجامعية؟ في كثير من الأحيان شهادة علمية لا تكفي وحدها لفتح أبواب العمل، ومعارف نظرية لا تجد ترجمتها العملية بسهولة في سوق العمل. وما زالت الفجوة قائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، ما يستدعي مراجعة جادة لمنظومة التعليم وأساليبها وأهدافها، بحيث يصبح بناء المهارات والتفكير النقدي والإبداع جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية.
وفوق ذلك كله، يحتاج المواطن إلى الشعور بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار العام. فالحياة السياسية لا تُقاس فقط بعدد الانتخابات أو الأحزاب، بل بمدى قدرة المواطن على الإحساس بأن صوته مؤثر وأن مشاركته تُحدث فرقاً ملموساً. وعندما يتراجع هذا الشعور، تتسع مساحة العزوف عن العمل العام، وتضعف الثقة بالمؤسسات، وهو أمر لا يخدم مشروع الإصلاح الذي يتطلع إليه الجميع ويدعمه بقوة جلالة الملك عبدالله حفظه الله وولي عهده الأمين.
إن هذه التحديات ليست منفصلة عن بعضها بعضاً، بل تتغذى الواحدة منها على الأخرى. فالأوضاع الاقتصادية تؤثر في فرص التعليم، والتعليم يؤثر في التشغيل، والتشغيل يؤثر في الاستقرار الاجتماعي والثقة بالمستقبل، فيما تبقى السياسات العامة العامل الحاسم في إدارة هذه العلاقة المعقدة. ولهذا فإن معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر لن تكون كافية لإحداث التحول المنشود.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زالت المعالجات التدريجية كافية، أم أن بعض الملفات باتت تحتاج إلى قرارات إصلاحية أكثر جرأة وعمقاً؟ إن المقصود بالحلول الجراحية ليس الصدمة أو القسوة، وإنما القدرة على تشخيص الخلل بدقة ومواجهة أسبابه الحقيقية دون تأجيل أو ترحيل للمشكلات. فبعض التحديات لم تعد تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل تتطلب الانتقال إلى مرحلة معالجتها من جذورها ضمن رؤية وطنية متوازنة تراعي مصلحة الدولة والمواطن في آن واحد.
إن أخطر ما قد نواجهه ليس الأزمة بحد ذاتها، بل الاعتياد عليها. فحين تتحول المشكلات المزمنة إلى جزء من المشهد اليومي، يصبح التعامل معها أقرب إلى إدارة الواقع لا إلى تغييره. ومن هنا فإن بعض الملفات لم تعد تحتاج إلى حلول تجميلية أو إجراءات مؤقتة، بل إلى قرارات إصلاحية جريئة تعالج الأسباب لا النتائج، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الآنية. فكما يحتاج الجسد أحياناً إلى تدخل جراحي لإنقاذه من مرض مستعصٍ، تحتاج الدول في بعض المراحل إلى مراجعات عميقة وشجاعة تعيد تصويب المسار وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً وقدرة على النمو.
إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب رؤية وطنية شاملة، وإرادة جماعية تدرك أن الإصلاح الحقيقي عملية متكاملة لا تتجزأ. كما يتطلب حواراً وطنياً صريحاً يشارك فيه الجميع، من مؤسسات الدولة إلى الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بحيث تتحول التحديات إلى فرصة لإعادة البناء والتطوير.
لقد عرف الأردن عبر تاريخه كيف يحوّل محدودية الموارد إلى قوة، وكيف يصنع من التحديات فرصاً للنهوض. وهذه القدرة الوطنية ما زالت حاضرة، لكنها تحتاج إلى بيئة تُطلق طاقات الإنسان الأردني، وتفتح أمامه آفاق المبادرة والإبداع، وتعزز ثقته بأن مستقبله ومستقبل أبنائه يمكن أن يكون أفضل.
إن الأردن يقف اليوم أمام تحديات حقيقية، لكنه يقف أيضاً أمام فرص حقيقية. وما بين التحديات والفرص تكمن مسؤولية القرار، ووعي المجتمع، وقدرة الجميع على العمل بروح الشراكة الوطنية. فالأزمات مهما تعاظمت لا تصنع مصير الأمم، وإنما طريقة التعامل معها هي التي ترسم مستقبلها.
فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بقدرتها على الإصغاء إلى أسئلة أبنائها والاستجابة لها في الوقت المناسب. والأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الواعي ومؤسساته الوطنية، يمتلك من الحكمة والخبرة ما يؤهله لتحويل التحديات الراهنة إلى محطة جديدة من مسيرة البناء والإنجاز.
حفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية، وجيشه وأجهزته الأمنية، وشعبه الكريم، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.