لم يكن الأردني يومًا ابن وطنٍ هاربًا منه، ولا باحثًا عن بديلٍ له. فمن يغادر الأردن يحمل وطنه في قلبه قبل أن يحمله في جواز سفره. وما دفع آلاف الأردنيين إلى الاغتراب لم يكن ضيقًا بالانتماء، بل سعيًا إلى تحسين ظروفهم المعيشية، وتأمين مستقبلٍ أفضل لأسرهم، وتحقيق ما قد تعجز عنه الفرص المحدودة داخل الوطن.
المغترب الأردني يدرك قيمة الأرض التي نشأ عليها، ويعرف أن الأوطان لا تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بالأمن والاستقرار والكرامة. ولذلك يبقى الأردن، بالنسبة إليه، نقطة البداية والنهاية، والبيت الذي لا يغيب عن الذاكرة مهما امتدت سنوات الغياب.
ويعتز الأردني بقيادته الهاشمية التي حافظت على استقرار الدولة وسط محيطٍ مضطرب، وانتهجت سياسةً جعلت الأردن واحةً للأمن، فلم تتلوث يد الدولة بدماء الأبرياء، بل كانت، وما زالت، تمد يد العون للمحتاج، وتستقبل الملهوف، وتقف إلى جانب الإنسان أينما كان. وهي ذات الدولة التي تحرص على أن يعود ابنها إلى تراب وطنه حتى بعد وفاته، وفاءً لرابطةٍ لا تنقطع بين الإنسان وأرضه.
ولذلك، فإن المغترب لا يعيش حالة قطيعة مع وطنه، بل حالة شوقٍ دائم إليه. يتابع أخباره، ويفتخر بإنجازاته، ويحتفل برايته، ويعرّف الآخرين به، ويقدمه بوصفه وطنًا يستحق الاحترام. وكل نجاح يحققه في الخارج يراه امتدادًا لاسم الأردن، وكل إنجاز شخصي يشعر أنه يحمل معه شيئًا من صورة وطنه.
إن الاغتراب عند الأردني ليس تخليًا عن الأرض، بل تضحيةٌ مؤقتة من أجل مستقبلٍ أفضل. فهو يعود كلما استطاع، ويحنّ كلما ابتعد، ويؤمن أن الوطن ليس مجرد مكانٍ للسكن، بل هويةٌ لا تتغير، وانتماءٌ لا تضعفه المسافات.
فهنالك فرق شاسع بين من يخرج بسبب ضيق الحالة ، و من يخرج هاربا ، باحثا عن ظل حماية ، فالأردني لم يكن يوما لاجئًا -و لن - ، فحتى الكثير من المعارضين السياسيين اردكوا في لحظة فاصلة مع كل طلب للعودة ، للم الشمل ، أن هذا الوطن يُقسى عليه و لا يقسو.
وهكذا يبقى المغترب الأردني سفيرًا لوطنه أينما حلّ، يحمل أخلاقه وقيمه واعتزازه بقيادته، ويؤمن أن الأردن، مهما ابتعد عنه، سيظل المكان الذي تبدأ منه الحكاية، وتنتهي إليه الرحلة.