يامال، ميسي، ونعمة الامتنان التي تصنع الإنسان الحقيقي
ليس كل انتصار يُقاس بعدد الأهداف، ولا كل هزيمة تُختزل في صافرة النهاية. ثمة لحظات نادرة تتجاوز حدود الرياضة، فتعيد ترتيب سلّم القيم في عالمٍ بات يقيس الإنسان بما يملك، لا بما يحمل في قلبه.
في نهائي كأس العالم، كانت أنظار الملايين معلّقة بالكأس التي ارتفعت، وبمشاهد الفرح المعتادة بعد كل تتويج. لكن المشهد الذي بقي عالقاً في الذاكرة لم يكن هناك؛ بل بعيداً عن منصة التتويج، حيث سار لامين يامال بخطوات هادئة نحو ليونيل ميسي، لا ليلتقط صورة مع أسطورة، ولا ليعلن نهاية عصر وبداية آخر، بل ليحتضن الرجل الذي كان جزءاً من طفولته وحلمه.
ثوانٍ معدودة. هذا كل ما استغرقه المشهد. لكنها ثوانٍ اختصرت درساً تعجز عنه الخطب: أن ينحني المنتصر احتراماً لمن ألهمه لا يُنقص من مجده شيئاً، بل يضيف إليه بعداً لا تمنحه الألقاب.
فكم من موهبة أفسدها الغرور. وكم من قائد هزمته نشوة الانتصار حتى قطع صلته بمن صنعوا له الطريق.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا ليس: لماذا انحنى يامال؟ بل سؤال أكبر يستحق التأمل: لماذا تنهض الأمم التي تُحسن الامتنان لمن سبقها، بينما تتعثر تلك التي تنكر هذا الفضل وتبدأ من الصفر في كل مرة؟
فالامتنان، في جوهره، ليس اعترافاً بالماضي فحسب. إنه استثمار في المستقبل. فالإنسان الذي ينسى من صنعه، سيعجز يوماً عن صناعة غيره؛ والأمة التي تمحو ذاكرتها المؤسسية، تُعيد اختراع العجلة إلى الأبد، بدل أن تسير بها إلى الأمام.
والدولة التي تبدأ مع كل حكومة من الصفر تشبه لاعباً يمزّق كتاب مدربه بعد كل مباراة. اليابان أعادت بناء نفسها بعد الحرب لا بمعجزة عابرة، بل باستمرار قيمة العمل والانضباط عبر الأجيال، وألمانيا فعلت الشيء ذاته. والأندلس، في عزّ ازدهارها، لم تكن سوى تراكم معرفة تُرجمت وحُفظت ونُقلت من جيل إلى جيل. وحتى روما القديمة لم تبنِ قوتها بقانون فردٍ واحد، بل بتشريعات وَرِثها كل جيل عن سابقه وأضاف إليها. وسنغافورة، في زمننا هذا، مثال حي على استمرار الرؤية عبر القيادات المتعاقبة، بدل أن يبدأ كل زعيم جديد من الصفر.
والاقتصاد الحديث لا يقوم على رأس المال المالي وحده، بل على رأس المال الاجتماعي؛ والثقة أعلى أشكال هذا الرأسمال، والامتنان أحد أهم مصادر إنتاجها. فالمؤسسات التي تُقدّر من بناها تكسب ولاء موظفيها، والأوطان التي تُقدّر من خدمها تكسب ثقة أبنائها.
غير أن الامتنان، لكي يبقى فضيلة، يحتاج حدّاً فاصلاً يميّزه عن التبعية. فالشكر لا يعني الصمت عن خطأ من سبقنا، ولا تقديس كل ما تركه لنا الأولون. أرسطو، رغم تتلمذه على يد أفلاطون، اختلف معه في جوهر فلسفته دون أن ينكر فضله عليه؛ فالامتنان الناضج يحفظ الجميل، ويحتفظ في الوقت نفسه بحق السؤال والاختلاف.
ولذلك لم يكن غريباً أن يربط الخطيب الروماني شيشرون بين الامتنان وسائر الفضائل، حين قال إنه ليس أعظمها فحسب، بل أصلها جميعاً. والقرآن الكريم صاغ الحقيقة ذاتها في قانون يتجاوز الزمان والمكان: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالحضارات لا تموت حين تخسر حروبها.
إنها تموت حين تنسى من علّم أبناءها كيف ينتصرون.
وهذه رسالة تحتاجها مجتمعاتنا العربية اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن نحتفي بمن يفتح الأبواب لا بمن يعبرها فقط، وأن نعلّم أبناءنا أن المنافسة لا تعني محو من سبق.
وربما هذا بالضبط ما فعله يامال في تلك اللحظة الصامتة أمام ميسي، دون أن ينطق بخطبة أو يرفع شعاراً. قال للعالم بلغة الأفعال إن المجد لا يبدأ حين نتجاوز من سبقنا، بل حين نعترف بأنه أوصلنا إلى حيث نقف اليوم. ولهذا فإن عبارة «كن أنت.. وغيّر العالم» ليست شعاراً تحفيزياً. إنها فلسفة حياة: أن تظل أميناً لقيمك مهما تغيّرت الظروف.
فالعالم لا يحتاج إلى أبطال أكثر.
يحتاج إلى بشرٍ لا ينسون من صنع أبطالهم.
من الآخر
ليس كل من وصل إلى القمة أصبح عظيماً. العظمة تبدأ حين تدرك أن من وقف على القمة قبلك مهّد لك الطريق ودفع ثمن التجربة.
فالنجاح يرفع اسمك. لكن الأخلاق وحدها هي التي ترفع قدرك.
وأخشى على الإنسان من نجاحٍ يجعله ينسى، أكثر مما أخشى عليه من فشلٍ يجعله يتعلم.
كن أنت.. ففي زمنٍ يتنافس فيه الجميع على أن يكونوا نسخةً من غيرهم، يبقى الإنسان الحقيقي هو الذي يملك الشجاعة ليكون نفسه، ويملك الرقي ليترك العالم أفضل مما وجده.