جرش .. حين تصبح الثقافة ذاكرة وطن ورسالة دولة
فيصل تايه
21-07-2026 08:51 AM
غداً، الثاني والعشرين من تموز، لا يعود مهرجان جرش إلى مدرجاته فحسب، بل تعود معه حكاية أردنية عمرها أكثر من أربعة عقود؛ حكاية وطن اختار أن يجعل من الثقافة نافذةً يطل منها على العالم، ومن الفن لغةً للحوار، ومن التاريخ منصةً لصناعة الحاضر والمستقبل.
هناك، في المدينة التي حفظت ذاكرة الحضارات، تنطلق فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، ليؤكد أن هذا الموعد لم يعد مجرد حدث فني ينتظره الجمهور كل عام، بل أصبح علامة ثقافية أردنية وطنية راسخة، وجزءًا من الذاكرة الوطنية، وصورة من صور الحضور الحضاري للمملكة.
ومنذ انطلاقته عام 1981، استطاع مهرجان جرش أن يتجاوز فكرة المهرجان التقليدي، ليصبح مشروعًا ثقافيًا يحمل رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان. فلم تكن مسارحه منصات للفن فقط، بل كانت فضاءات التقت فيها القصيدة بالموسيقى، والمسرح بالفكر، والتراث بالإبداع، في مشهد يعكس طبيعة الأردن؛ بلدًا يجمع بين أصالة الجذور وانفتاح الرؤية، ويؤكد انتماءه إلى محيطه العربي، وحرصه على أن تكون الثقافة مساحة للحوار والتقارب والتعبير عن القضايا الإنسانية والوطنية.
لقد دخل جرش ذاكرة الأردنيين بطريقة خاصة؛ فهناك أجيال ارتبط لديها اسم المهرجان بليالي الصيف، وباللقاءات العائلية، وبمشاهد الفرح التي كانت تجمع الناس من مختلف المحافظات. وبقدر ما كان المهرجان منصة للفنانين والمثقفين، كان أيضًا مساحة وطنية يلتقي فيها الأردنيون حول الجمال، ويجدون فيها صورة من صور الحياة الثقافية التي تنتمي إليهم جميعًا.
إن قيمة جرش لا تُقاس بعدد الفعاليات التي يقدمها، بل بما صنعه من أثر مستدام؛ فقد أسهم في ترسيخ صورة الأردن في الوعي العربي والعالمي، بوصفه وطنًا آمن بالثقافة، ومؤمنًا بأن القوة الحقيقية للأمم لا تقوم فقط على ما تملكه من إمكانات، بل على ما تنتجه من معرفة وفن وقيم إنسانية. وهو إلى جانب ذلك ليس ترفًا معزولًا عن واقع الناس، بل محرك تنموي واقتصادي يلمس حياة المجتمع المحلي في جرش، ويفتح آفاقًا متجددة للصناعات الثقافية والحرفية لأبناء الوطن.
ولم يكن المدرج الروماني في جرش مجرد خلفية تاريخية للفعاليات، بل أصبح جزءًا من الرسالة نفسها؛ فحين تلتقي الحضارة القديمة بالإبداع المعاصر، يقدم الأردن للعالم صورة وطن يحفظ تاريخه دون أن يعيش في الماضي، ويستثمر إرثه ليصنع منه جسورًا نحو المستقبل.
كما كان المهرجان أحد أبرز وجوه السياحة الثقافية الأردنية، حيث منح الزائرين من داخل الأردن وخارجه فرصة لاكتشاف المكان والإنسان معًا. فالسائح الذي يأتي إلى جرش لا يرى آثارًا صامتة فقط، بل يلمس حياةً وثقافةً وتفاعلًا إنسانيًا يجعل من التجربة أكثر من زيارة لموقع أثري؛ يجعلها لقاءً مع روح المكان.
ومن الطبيعي أن ترافق أي تجربة وطنية كبيرة آراء مختلفة وملاحظات نقدية، فالحوار جزء من الحياة الثقافية، والنقد البنّاء طريق للتطوير. لكن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى مهرجان جرش من خلال تاريخه الكامل، وما قدمه من قيمة، والتمييز بين تقييم موضوعي يطور الأدوات، وبين قراءات تختزل أربعة عقود من العمل والإبداع من زاوية واحدة.
إن الحفاظ على هذا الإرث وتطويره مسؤولية وطنية تشترك فيها المؤسسات الثقافية والمجتمع، وفي مقدمتها وزارة الثقافة وإدارة المهرجان، التي تعمل على صون مكانته وتعزيز دوره بما ينسجم مع مكانة الأردن الثقافية ورسالته الحضارية. فإدارة المهرجانات الكبرى لا تعني تنظيم فعاليات فقط، بل تعني حماية ذاكرة وطن وبناء جسور جديدة مع الجمهور والعالم.
إن جرش اليوم ليس مجرد اسم على خارطة المهرجانات، بل عنوان لفكرة أردنية عميقة: أن الثقافة فعل بناء، وأن الفن لغة وطنية، وأن الحضارة لا تبقى حية إلا حين تجد من يحملها ويجددها.
وحين تُضاء مدرجات جرش من جديد، وتعود القصيدة إلى منبرها، والموسيقى إلى فضائها، والفنون إلى جمهورها، فإن الأردن لا يحتفل بموسم ثقافي فحسب، بل يحتفي بجزء من هويته وصورته ورسالة حضوره.
فالأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، بل بما تزرعه في الإنسان من جمال ووعي وانتماء.
ولهذا سيبقى جرش شاهدًا على أن الأردن لا يحرس تاريخه فقط، بل يجعله حيًا ومتجددًا؛ وأن الثقافة ليست فصلًا عابرًا في مسيرة الوطن، بل إحدى الصفحات التي يكتب بها الأردن حضوره في ذاكرة العالم.