قوة الممرات وخرائط النفوذ الجديدة
د. روان سليمان الحياري
24-07-2026 03:35 PM
لم تعد التحولات التي يشهدها الاقليم تُقرأ من خلال الحروب والتحالفات وموازين القوى العسكرية والتكنولوجية فقط، فبالتوازي مع المشهد السياسي والأمني المضطرب، هنالك -ما يحدث بضجة أقل وبعد أعمق- إعادة رسم خرائط التجارة وسلاسل التوريد والممرات الاقتصادية في العالم.
ففي -عالم يعاد تشكيله- قد لا تكون المسألة الأهم هي النفوذ على الأرض، بل في من تمر عبره التجارة والطاقة والبيانات، ومن يستطيع أن يضمن استمرار تدفقها عندما تتعطل المسارات التقليدية.
لقد كشفت الأزمات الاخيرة المتلاحقة في الاقليم، ابتداءا من كورونا إلى هرمز، أن كفاءة سلاسل التوريد لم تعد المعيار الوحيد الذي يحكم قرارات الدول والاقتصادات الكبرى، بل الأمن الاقتصادي، وهذا تحول استراتيجي مهم؛ لأن اعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للعالم لن تكون على أساس الجدوى التجارية فقط، بل على أساس المخاطر الجيوسياسية، وخصوصا في إحدى أهم الساحات التي ستُرسم عبرها هندسة التجارة العالمية الجديدة.
لذا، تتسارع -الان- مشاريع طرق الربط البديلة بين آسيا وأوروبا، سواء بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أوالمشاريع عبر العراق وتركيا، إلى جانب استثمارات متزايدة في السكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب والمناطق اللوجستية في العالم، كمشاريع جيوسياسية بامتياز، فالقطار والميناء والطريق وخط الطاقة، أصبحت جميعها أدوات نفوذ، والمرونة الاقتصادية قيمة استراتيجية لا تقل أهمية عن الكفاءة، فالدولة التي تتحول إلى عقدة رئيسية في سلاسل التوريد العالمية الجديدة، لن تحصل على رسوم عبور، أو استثمارات بنية تحتية فقط؛ بل سيصبح استقرارها أساس ومسعى، لكل من تملك شبكات الاقتصاد العالمي مصلحة في بقائه مستقراً ضمن الخرائط العالمية الجديدة.
وهنا تبرز للأردن فرصة مهمة في إعادة استثمار الممرات كـ (أصل استراتيجي) والتي بدأت ملامحها مع تنامي حركة الترانزيت عبر العقبة باتجاه العراق والأسواق المجاورة. ولكن الموقع الجغرافي وحده لن يصنع مركزاً لوجستياً، بل ذلك يتطلب بنية تحتية بمواصفات عالمية -كأولوية ملحة لا تحتمل التأجيل- وربطاً سككياً وبرياً فعالاً، وإجراءات جمركية رقمية سريعة وصديقة مع رديفاتها العالمية، وتطويرمناطق لوجستية وصناعية، بقدرات تخزين وإعادة تصدير، تؤسس لربط بين الموانئ والطرق والطاقة والاتصالات في الاقليم، بالتوازي مع تشريعات مستقرة متوائمة عالميا، تجذب وتوطن الاستثمارات.
ولذلك يصبح الاستقرار الإقليمي في جوهره أصلاً اقتصادياً، وتصبح التسويات السياسية جزءاً من البنية التحتية غير المعلنة لسلاسل التوريد. فالصراعات التي تبدو سياسية أو عسكرية تترك اليوم أثراً مباشراً في كلفة الشحن والطاقة والتأمين والاستثمار، بينما تستطيع ترتيبات الاستقرار والتكامل الاقتصادي أن تحول الجغرافيا ذاتها إلى مصدر للقوة والازدهار، وهنا تكمن الفرصة.