معركة كشف الفساد أم تصفية الحسابات؟
حاتم القرعان
25-07-2026 02:28 PM
في الأوطان، لا يُقاس صخب المشهد بعلو الأصوات، بل بثقل الحقائق. وحين يخرج شخص إلى العلن حاملاً ملفات أو وثائق أو اتهامات تتعلق بالفساد، فإن الأنظار لا يجب أن تتجه إلى صاحب الرسالة وحده، بل إلى مضمونها، وإلى المؤسسات التي يقع على عاتقها التحقق منها، فالدول لا تُبنى بالشائعات، ولا تُحمى بالصمت، وإنما بسيادة القانون.
بعد التهديدات التي تحدث عنها "الجنرال"، يبرز سؤال مشروع: هل طُويت صفحات الفساد، أم أن ما جرى فتح صفحة جديدة عنوانها الصراع بين مراكز النفوذ؟ ولماذا عاد إلى الظهور في هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل نحن أمام مواجهة تستهدف تعطيل مسيرة الحكومة برئاسة الدكتور جعفر حسان، أم أمام محاولة لإيصال رسائل يرى أصحابها أنها لا تحتمل التأجيل؟
أسئلة تتدافع كما تتلاطم أمواج البحر على صخور الشاطئ، لكنها تبقى بلا إجابات واضحة. فالضباب لا ينقشع إلا بشمس الحقيقة، والحقيقة لا يملك مفاتيحها إلا القانون ومؤسسات الدولة المختصة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين أصحاب المعالي والسعادة الذين قيل إنهم كانوا يمدون "الجنرال" بالمعلومات والوثائق؟ أين اختفت أصواتهم؟ ولماذا آثروا الصمت بعد أن كانت الملفات تتحدث بألسنتهم؟ فإذا كانت لديهم معلومات موثقة عن تجاوزات أو فساد، فإن القانون يكفل الحماية لكل من يبلغ عنها، ويمنح الجهات المختصة حق التحقيق فيها حمايةً للمال العام وصونًا لهيبة الدولة.
أما تحويل معركة مكافحة الفساد إلى معركة أشخاص، فهو طريق لا يخدم الحقيقة، لأن الأوطان أكبر من الأسماء، والعدالة لا تعرف الألقاب.
المواطن الأردني ليس غريبًا عن هموم وطنه، وهو يدرك أن الفساد، متى وُجد، ينهش جسد الدولة كما تنخر الأرضة جذع الشجرة الصلبة. لكنه، في الوقت ذاته، يعلم أن التغيير لا يتحقق بالمنشورات وحدها، ولا بالاتهامات المتبادلة، بل بإجراءات قانونية شفافة، ومحاسبة عادلة، وإرادة لا تفرق بين مسؤول ومواطن.
ومن هنا، يبرز الدور المحوري لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، والأجهزة الرقابية والقضائية، فهي الميزان الذي يعيد الأمور إلى نصابها، وهي الجهة القادرة على فرز الحقيقة عن الادعاء، وإغلاق الباب أمام كل من يستغل قضايا الفساد لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية.
غير أن مكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد الإعلان عن فتح التحقيقات، ولا ينبغي أن تكون عبارة "تمت إحالة القضية للتحقيق" هي نهاية المشهد، بل بدايته. فمن حق الرأي العام أن يعرف إلى أين انتهت التحقيقات، وهل ثبتت صحة المعلومات التي نُشرت وتداولها الناس، أم أنها كانت ادعاءات لم يثبتها الدليل. فالشفافية الحقيقية لا تقف عند باب التحقيق، وإنما تمتد إلى إعلان نتائجه بكل وضوح، مع احترام القانون وحقوق جميع الأطراف.
إن إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام ليس ترفًا إعلاميًا، بل هو ركيزة من ركائز بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فإذا ثبتت صحة المعلومات، وجب محاسبة الفاسدين دون تردد، وإذا ثبت عدم صحتها، وجب إعلان ذلك أيضًا، حمايةً لسمعة الأبرياء، وإغلاقًا لباب الإشاعات، وترسيخًا لمبدأ أن العدالة لا تُبنى على الظنون، وإنما على الأدلة والبراهين.
أما "الجنرال"، فإن دوره – وفق ما يراه مؤيدوه – يقتصر على نقل ما وصله من معلومات، لا على صناعة تلك المعلومات. فإن كانت صحيحة، فإن من الواجب أن تُحقق فيها الجهات المختصة وأن تُعالج بلا تردد، وإن كانت غير ذلك، فإن العدالة وحدها كفيلة بإظهار الحقيقة وصون حقوق الجميع.
ويبقى أن مكافحة الفساد ليست بطولة فرد، ولا معركة شخص، بل مشروع وطن بأكمله. فلا أحد فوق القانون، ولا أحد دونه، والرهان الحقيقي يجب أن يبقى على مؤسسات الدولة، لأنها وحدها القادرة على تحويل الاتهامات إلى حقائق، أو إسقاطها إذا ثبت بطلانها.
وفي النهاية، فإن كل صوت يدعو إلى حماية الوطن من الفساد يستحق أن يُستمع إليه في إطار القانون، وكل مسؤول مطالب بأن يكون شريكًا في ترسيخ قيم النزاهة والشفافية. وما ينتظره المواطن الأردني ليس كثرة الحديث عن الفساد، بل أن يرى التحقيقات تُستكمل، ونتائجها تُعلن للرأي العام بكل شفافية، حتى يطمئن البريء، ويُحاسب المسيء، وتترسخ ثقة الناس بمؤسسات دولتهم. فالحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تبقى كالشمس؛ قد تحجبها الغيوم حينًا، لكنها لا تغيب أبدًا.
ويبقى الأمل أن تكون هذه المرحلة بدايةً لتعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ مبدأ المحاسبة، حتى يبقى الأردن وطنًا لا مكان فيه لفاسد، ولا ملاذ فيه إلا لسيادة القانون. ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.