facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يشعل النار ومن يجمع الحطب .. حرب الخليج وحسابات الإعمار


السفير ماهر لوكاشه
18-07-2026 04:15 PM

عندما تشتد أزمات التوتر الكبرى، لا تكفي أرقام الصواريخ، ولا حصر القواعد، ولا رصد المنشآت المستهدفة لفهم طبيعة ما يدور فعلاً. فالحروب، خاصة في منطقتنا، لا تُدار بناءً على منطق الرد المباشر أو الدفاع الآني فحسب، بل تتداخل فيها حسابات الردع مع الاقتصاد والنفوذ السياسي وإعادة رسم موازين القوى.

ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال بالغ الخطورة ماذا لو انتقل الصراع إلى استهداف البنى الحيوية والمقدرات الاقتصادية لدول الخليج العربية؟ من سيكون الرابح الحقيقي ومن سيتحمل تكاليف الخسارة طويلة الأمد؟

إن أي تهديد يمس منشآت الطاقة، أو الموانئ، أو المطارات، أو حتى شبكات المياه والكهرباء في دول الخليج هو خطر جسيم يمس الجميع. فهذه الدول ليست مجرد دول محلية تنفصل عن محيطها، بل هي جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة العالمي، ومحرك مالي وتجاري واستثماري يؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد الدولي. وبالتالي، فإن الإضرار بمقدراتها لا يقتصر أثره على شعوبها واقتصاداتها، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وحركة التجارة وأسعار الغذاء والطاقة، مما يهز استقرار المنطقة بأسرها.

ولنا في تجربة هجمات 2019 على منشآت أرامكو خير دليل حيث أدت تلك الحوادث إلى ارتفاع هائل في أقساط التأمين على السفن والبضائع في المنطقة، وهو ما يؤكد أن الثمن المالي الحقيقي لا يقتصر على ما يُدمر فحسب، بل يمتد ليشمل التكاليف التشغيلية والتأمينية الباهظة التي تُفرض على الاقتصاد بشكل يومي.

لكن الخسارة الأولى قد لا تعني أن الخسارة النهائية ستكون نصيب الطرف المستهدف وحده. فعبر التاريخ الحديث نرى أن الدمار غالباً ما يفتح أبواباً واسعة لشركات الإعمار والتسليح والتأمين والخدمات اللوجستية.

وعندما تتعرض بنية اقتصادية متقدمة لضرر تبدأ مرحلة جديدة تتوج بعقود هائلة لإعادة البناء، وتحديث الدفاعات، واستبدال المعدات المتضررة، وتأهيل الموانئ والمطارات والمنشآت الصناعية وشبكات الاتصال والطاقة. ولعل أبرز الأمثلة الملموسة على ذلك هي حرب العراق عام 2003، حيث بلغت عقود إعادة الإعمار التي قادتها شركات أميركية كبرى مثل "بكتل" و "كي بي آر" أكثر من 200 مليار دولار، مما يوضح كيف يتحول الدمار إلى سوق اقتصادية ضخمة.

هنا، يصبح من المنطقي أن نسأل من المستفيد من اقتصاد الأزمات؟ فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من شركات عملاقة في مجالات السلاح والطاقة والهندسة والتكنولوجيا والخدمات المالية، يمكن لقطاعات واسعة في اقتصادها أن تستفيد من موجات الإنفاق الضخمة التي تولدها الحروب. ونرى هذا بوضوح في النماذج المعاصرة فحرب أوكرانيا على سبيل المثال قدمت دراسة حالة حية لارتفاع أسهم شركات التسليح الأميركية والأوروبية بشكل قياسي، فضلاً عن بروز شركات جديدة متخصصة في إعادة الإعمار والأمن السيبراني. كما أن إسرائيل، التي تسعى باستمرار لتعزيز مكانتها كشريك أمني وتكنولوجي لا غنى عنه، قد تجد في الاضطراب الإقليمي فرصة سانحة لزيادة حضورها في منظومات الدفاع السيبراني والمراقبة والحماية الجوية وإدارة المخاطر وتطوير التقنيات العسكرية.

غير أن الحديث عن هذه المنافع المحتملة يجب ألا يُفهم كاتهام مطلق أو ادعاء بأن كل أزمة تُصنع حصرياً من أجل أرباح الإعمار. فالسياسة الدولية أكثر تعقيداً من هذا التبسيط. ومع ذلك، فهي لا تخلو من مصالح مؤسسات اقتصادية وسياسية تدرك جيداً كيف تحول الخطر إلى عقود، والخوف إلى صفقات والدمار إلى أسواق جديدة. ولذلك، فإن أخطر ما في الحرب ليس فقط ما تحرقه في لحظتها بل ما تخلقه لاحقاً من تبعيات طويلة الأمد تبقي المنطقة رهينة للحماية الخارجية، وشراء السلاح، وشروط إعادة البناء.

أما إيران، فإن أي انخراط لها في عمل يهدد البنية التحتية لدول الخليج لن يكون بأي حال من الأحوال، خطوة خالية من التكلفة. فالعواقب الاقتصادية والأمنية والسياسية قد تكون قاسية، وقد تدفع المنطقة إلى مسار يصعب ضبطه. ومع ذلك، قد يراهن صانع القرار الإيراني، في حال تصاعد المواجهة، على أن الضربات المحدودة أو التهديد الدائم للمصالح الحيوية سيؤدي إلى رفع تكلفة الوجود العسكري الأميركي في الخليج، وإثارة نقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى الانتشار العسكري الواسع في المنطقة.

فإذا ما تقلص الوجود العسكري الأميركي، أو تم نقل جزء كبير منه بعيداً عن الخليج نتيجة للضغوط والمخاطر والتكلفة السياسية الداخلية، فقد تعتبر إيران ذلك مكسباً استراتيجياً. إذ ينخفض مستوى الاحتكاك العسكري المباشر، وتتراجع القدرة على التهديد الفوري، وتتسع مساحة المناورة الإقليمية. لكن هذا السيناريو لا يعني انتصاراً صافياً لأي طرف فالفراغ الأمني لا يبقى فارغاً لفترة طويلة، بل قد تملؤه قوى متنافسة وميليشيات، وتفاهمات هشة، وسباقات تسلح جديدة، مما يفاقم هشاشة الإقليم بدلاً من تحقيق الاستقرار فيه.

الخاسر الأكبر في كل هذا المشهد هو المواطن العربي العادي، الذي لا يملك رفاهية التنظير على خرائط النفوذ. هو من سيدفع ثمن اضطراب الأسواق، وارتفاع تكلفة المعيشة، وتعطل الأعمال، وتأجيل مشاريع التنمية، وتراجع الاستثمار، وانكماش فرص العمل. ولا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي الداخلي، فأي أزمة أمنية في الخليج قد تؤدي إلى تحولات ديموغرافية كبيرة، مثل هجرة واسعة للعمالة الوافدة، مما يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية إضافية تتجاوز الأثر المالي المباشر. كما ستدفع الحكومات الخليجية ثمناً باهظاً لإصلاح ما قد يتضرر، وضمان استمرارية الخدمات، وحماية الممرات البحرية والبنى الحيوية، في وقت كانت فيه الأولوية الحقيقية هي توجيه الموارد إلى التعليم والصحة والتنويع الاقتصادي وبناء الإنسان.

والولايات المتحدة نفسها ليست بمعزل عن الخسارة. فكلما طال أمد التوتر، ارتفعت تكلفة الانتشار العسكري، وزاد خطر الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بمساراتها. ولعل التجارب الأميركية في المنطقة خلال العقود الماضية تقدم درساً واضحاً: بدء التدخلات العسكرية أمر سهل، لكن إنهائها دون تبعات سياسية ومالية وإنسانية عميقة أمر بالغ الصعوبة.

أما إسرائيل، فقد تنظر إلى إضعاف خصومها الإقليميين كمكسب آن، لكن الرهان على الفوضى يحمل دائماً وجهاً آخر. فالمنطقة التي تنهكها الحروب لا تنتج أمناً مستداماً لأحد، والاستقرار الحقيقي لا يبنى على تدمير الدول أو تفكيك مجتمعاتها أو تحويلها إلى ساحات لتصفية الحسابات. وأي مشروع إقليمي يقوم على التفوق العسكري وحده ويتجاهل حقوق الشعوب ومصالح الدول وسيادتها، يظل مشروعاً هشاً مهما بدا قوياً في لحظة معينة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول دول المنطقة إلى مجرد أدوات في صراع لا يصب في مصلحة شعوبها. فأمن الخليج مسؤولية خليجية وعربية وإقليمية، ويتطلب منظومة حوار جاد وضمانات متبادلة، واحتراماً للسيادة، ورفضاً واضحاً لاستهداف المدنيين والمنشآت التي تعتمد عليها حياة الناس واقتصاداتهم.

الرهان العقلاني لا يقوم على اتساع الحرب، بل على منعها قبل أن تتحول إلى واقع مفروض. وليس على الخراب الذي يتبعه إعمار مربح للبعض، بل على تنمية مستدامة لا تحتاج إلى أنقاض كي تبدأ. فالمنطقة لم تعد تحتمل المزيد من المغامرات، وشعوبها لم تعد تملك القدرة على دفع المزيد من الفواتير التي يكتبها الآخرون ويُجبرها التاريخ على سدادها.

وما لم تتشكل إرادة إقليمية مستقلة تضع أمن الشعوب فوق مصالح الصفقات، ستبقى الأطماع حاضرة، وتتوالد المخططات، وتتبدل أشكال الدسائس، وتستمر الصفقات في الظل والعلن.

وأما الحديث الحقيقي، فله بقية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :