هل هناك جدوى من الاستثمار في أبنية السلط التراثية
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
18-07-2026 04:49 PM
لا شك بأن الاستثمار في أبنية السلط التراثية وتحويلها لمشاريع اقتصادية مجدية يقوم في جله على مدى الاستفادة من القيمة التاريخية والمعنوية لهذه الأبنية ، وعلى كيفية تطويع محتواها وتكييف وظائفها ، لتمكينها من تلبية مايلزم من متطلبات تكفل انجاح هذا الاستثمار ، وبيان الأثار المتأتية من ورائه على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياحية ، خاصة بعد قيام اليونسكو بإدراج السلط على قائمة التراث العالمي عام 2021 باعتبارها "مدينة التسامح وأصول الضيافة الحضرية" ، بناء على منظومة القيم والعادات والتقاليد التي تكتنزها ، واستجابة للسلوكيات والممارسات الإيجابية لدى مختلف فئاتها المجتمعية ، المستمدة في اصولها من معاني التسامح والسلم المجتمعي ، المبني على أواصر ثابتة من التآخي والتعايش المشترك ، وعلى روابط وثيقة بين عشائرها وعائلاتها مسلمين ومسيحيين
لقد جاء هذا الإدراج في حيثياته كتقدير وتثمين لتراث السلط العمراني المتماهى مع الطراز المعماري لأبنية شرق البحر المتوسط الذي ساد أواخر الحقبة العثمانية ، وأخذ ضمن حيثياته الطبيعة الجغرافية والحضرية للمدينة ، وراعى في تطبيقاته نوعية وامكانيات مواد البناء المتوفرة آنذاك ، بما فيها الحجر الأصفر المستخرج من المحاجر المحلية (في أعلى الميدان) ، والرمل والحصمة التي جمعها "الحصامة" من الأراضي المجاورة للجامع الصغير
وهنا لا بد من الإشارة الى أن عدد الأبنية التراثية الذي كان يقدر بالألاف قبل ان تطالها موجة الهدم والإزالة التي سادت المدينة في ستينيات القرن الماضي ، بات يقتصر على أقل من 600 بناء ، وأن هذا العدد اخذ بالتناقص نتيجة لأسباب تتفاوت بين تشتت الملكيات وكثرة الورثة والإهمال السائد نظرا لارتفاع كلف الترميم ، وعدم توفر الامكانيات المالية لدى المالكين وغياب المانحين ، وعدم رصد المخصصات المالية لدى الجهات المعنية ، ناهيك عن انتفاء جدوى إعادة الاستخدام نتيجة للتشريعات النافذة التي تمنع التدخل في محتوى هذه البيوت ، ولا تسمح بإحداث أي نوع من التغيير الذي يتماشى ومقتضيات المرحلة الحالية ويحقق مفاهيم التكييف الوظيفي
إن "الأثار الاجتماعية / الثقافية والاقتصادية والسياحية / التنموية" الناجمة عن توليد فرص استثمارية ومشاريع اقتصادية مرتبطة بأبنية السلط التراثية لن يقتصر على العوائد المالية فقط ، بل سيتجاوزها لتطال العوائد المعنوية التي ستنعكس ايجابا على المدينة وأهلها على النحو التالي:
أولاً: الأثر الاقتصادي
1. توفير فرص عمل في مختلف القطاعات كالضيافة والارشاد والترميم
2. تنشيط الحركة التجارية في الأسواق التراثية كشارع الحمام والخضر
3. تنويع مصادر دخل الأسر (والافراد) عبر تسويق منتجاتهم المنزلية
4. رفع القيمة السوقية للأبنية التراثية نتيجة تحولها لنقاط جذب سياحي
ثانياً: الأثر الاجتماعي والثقافي
1. استبقاء الخبرات والكفاءات في السلط بدل انتقالها لاماكن اخرى للعمل
2. تمكين المرأة وتعزيز استقلاليتها الاقتصادية وتوطيد مكانتها الاجتماعية
3. تعزيزالوعي التراثي ليغدو الحفاظ على الأبنية التراثية مصلحة مجتمعية
4. إحياء الحرف التقليدية والحفاظ عليها من الاندثار ونقلها للأجيال اللاحقة
ثالثاً: الأثر السياحي والتنموي
1. تحويل النمط السياحي من "عبور" إلى "إقامة" ما يزيد من معدل إنفاق السائح ، ويرفع من مدى تواصله وانخراطه في بيئة السلط المحلية
2. التناغم مع ازدياد الطلب خارجيا وداخليا على "سياحة التجارب التفاعلية" التي تركز على إشراك السائح والزائر وادماجه بشكل مباشر وفاعل في الأنشطة المقامة في المدينة
3. توفيرممكنات "الإقامة التراثية" في مبانٍ تم ترميمها وتأهيلها لتقديم خدمات فندقية حديثة مع الحفاظ على هويتها العمرانية وطابعها الثقافي بغية نقل السائح عبر الزمن ليعيش تجربة الحياة السابقة للمجتمع السلطي
4. تحقيق أهداف الأمم المتحدة / اليونسكو المعنية بالتنمية المستدامة ، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد ، واستدامة المجتمعات المحلية من خلال الحفاظ على تراثها الثقافي والانساني
وختاما فلابد من الإشارة الى ان الاستثمار الرشيد والمنضبط الذي يقوم على الاستغلال الأمثل لأبنية السلط التراثية ، لا يعتبر مجرد مساهمة واعدة في حفظ التاريخ وصون التراث الوطني والإنساني فحسب ، بل هو نوع من التسخير والتوجيه الاستراتيجي للطاقات والموارد الذي يهدف الى ادماج رأس المال الاستثماري بالمسؤولية التنموية بشكل يحقق الاستمرارية والبقاء ، ويساهم في الوصول الى نموذج إيجابي للسياحة المستدامة ، له القدرة على تحقيق العوائد الربحية من جهة ، لكنه يقوم بدور مواز ومنسق للمحافظة على تراث مدينة السلط وحمايته من جهة اخرى
وللحديث بقية