خطابات التكليف .. بين الطموح والواقع
د.عبدالفتاح طوقان
18-07-2026 04:57 PM
في كل مرة يتسلم رئيس وزراء جديد مقاليد الحكم في الأردن، يتلقى كتاباً ملكياً سامياً يحمل في طياته رؤية الملك عبد الله الثاني وتطلعاته لنهضة الوطن. منذ عام ١٩٩٩ وعبر اثني عشر حكومة متعاقبة، أصدر جلالة الملك تسع رسائل تكليفية تعكس استراتيجية واضحة وحازمة لتحقيق التقدم والتنمية في شتى المجالات.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة وصراحة هو: هل نجحنا فعلاً في تحويل هذه التطلعات إلى واقع ملموس على الأرض؟
الأولويات المتكررة: دليل على الالتزام الملكي
تكشف دراسة تحليلية لخطابات التكليف الملكية عن نمط واضح من المواضيع المتكررة التي تعكس أولويات جلالة الملك:
التحديث الاقتصادي احتل الصدارة بـ ستة تكرارات ( ٢٠٠١،٢٠٠٣،٢٠١١،٢٠١٣،٢٠١٦،٢٠٢٠) ما يدل على القناعة الملكية بأن الاقتصاد القوي هو أساس الاستقرار والازدهار من جهة وفشل حكومات لأكثر من ١٩ عاما من تحقيق هذا المطلب. وياتي بعده الإصلاح السياسي والتنمية الاجتماعية تتساويان بخمسة تكرارات، بينما الإصلاح الإداري أتى في المرتبة الرابعة بأربعة تكرارات.
هذا التكرار المنتظم ليس مصادفة. إنه انعكاس للرؤية المتسقة والمدروسة التي تحكم عمل الملك، والتي تؤمن بأن التنمية الحقيقية تتطلب تدخلات متزامنة في مجالات السياسة، والاقتصاد والإدارة والمجتمع وتظهر فشل الحكومات والتي يعاد تكليفها احيانا وتدوير وزرائها احيانا اخرى في غياب المكاشفة لاسباب الفشل وانعدام المحاسبة والرقابة البرلمانية.
المحتوى الجوهري: ما الذي يطلبه الملك؟
عندما نقرأ بين السطور، نجد أن جلالة الملك يطلب من حكوماته:
- بناء نظام سياسي حيوي يُعزز العمل الحزبي ويطور التشريعات الديمقراطية.
- خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مع تسهيل الإجراءات الحكومية.
- تطوير جهاز حكومي كفء يقاوم الفساد ويعتمد على الشفافية والمساءلة.
- الاستثمار في الإنسان من خلال تحسين التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
إنها رؤية شاملة ومتوازنة تعترف بأن التقدم لا يأتي من خلال إصلاح واحد، بل من خلال منظومة متكاملة من التدخلات الحكومية.
الفجوة بين الوعد والتنفيذ
لكن هنا تكمن المشكلة الحقيقية. رغم تكرار هذه التوجيهات الملكية، لم نشهد تقدماً ملموساً بالقدر المطلوب.
لقد فشلت الحكومات بمجملها في تحقيق إصلاح سياسي حقيقي ولا يزال العمل الحزبي ضعيفاً، والمجتمع السياسي مجزأً، والتشريعات بطيئة الخطى. هناك مقاومة مستمرة من القوى التقليدية التي تخشى من فقدان نفوذها.
في المجال الاقتصادي، رغم الجهود، لم تتمكن اي حكومة من خلق قفزة نوعية في مستويات الاستثمار أو الإنتاجية. ما يزال قطاع الأعمال الأردني الخاص يعاني من البيروقراطية والإجراءات المعقدة، والبيئة الاستثمارية لم تحقق الجاذبية المطلوبة.
اما الإصلاح الإداري ظل جزئياً وسطحياً. نعم، هناك كلام عن مكافحة الفساد، لكنه نسبي لايراعي العدالة وتعيقه البيروقراطية الحكومية التى لا تزال ثقيلة، والروتين لا يزال معيقاً، والكفاءات المؤهلة نادرة.
والتنمية الاجتماعية شهدت فجوات كبيرة في التنفيذ، فالبطالة ما تزال مرتفعة، والتعليم يحتاج إلى نقلة نوعية، والفئات الضعيفة لم تشعر بالتحسن المتوقع.
ويتساءل الشعب والاقتصاديون والمثقفون وعامة المجتمع عن أسباب العجز عن التنفيذ
كمهندس وباحث، أؤمن بأهمية تشخيص دقيق للمشاكل. العجز عن تنفيذ التوجيهات الملكية يعود إلى عدة أسباب:
أولاً: التحديات السياسية الهيكلية - هناك مقاومة راسخة من قوى سياسية وبيروقراطية مستفيدة من الوضع الحالي. التغيير يهدد مصالحها، فتقاومه.
ثانياً: الضغوط الاقتصادية الإقليمية - الأردن اقتصاد صغير في منطقة اضطرابات مستمرة. نحن معتمدون على المساعدات الخارجية والظروف الإقليمية المتقلبة، مما يحد من حرية الحكومة في المناورة والتنفيذ.
ثالثاً: ضعف الموارد البشرية الإدارية - لا تملك حكوماتنا الكفاءات الكافية لتنفيذ خطط طموحة. وحتى عندما تتوفر، غالباً ما تكون مقيدة بالإجراءات والهياكل الروتينية.
رابعاً: مقاومة التغيير الاجتماعية - المجتمع نفسه يقاوم التغيير في بعض الأحيان، والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية تخلق فجوات صعبة الجسر.
الحاجة إلى إعادة التقييم
إن تسلسل التوجيهات الملكية المتكررة يجب أن يكون إشارة استنارة لنا جميعاً. إذا كان جلالة الملك يطلب شيئاً لمدة عشرين سنة ولم تحققه الحكومات المتتابعة والرؤساء الذي تم تنسيبهم لمنصب رئيس الحكومة فهذا يعني أن هناك خللاً ما في آليات التنفيذ أو في الإرادة السياسية أو في الكفاءات الإدارية.
الأردن بحاجة إلى:
مساءلة حقيقية - ليس من باب الانتقام، بل من باب الفهم. لماذا فشلت حكومة ما في تنفيذ التوجيهات؟ ما الدروس المستفادة؟
تطوير آليات تنفيذ حقيقية - ليس فقط إصدار قرارات وتوجيهات، بل وضع خطط تفصيلية، تعيين مسؤولين محددين، تحديد مؤشرات قياس واضحة.
استقطاب كفاءات حقيقية - سواء من أبناء الوطن أو من الخارج، أشخاص لديهم الخبرة والنزاهة والحزم لتنفيذ الإصلاحات.
حوار وطني صادق - مع المجتمع والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، حول الأسباب الحقيقية للفشل والحلول الممكنة
واقصد ان خطابات التكليف الملكية تعكس رؤية حكيمة وشاملة لنهضة الأردن. جلالة الملك فهم الحاجات الحقيقية للوطن منذ اعتلى العرش وبعد اربع ساعات فقط من التوجيه والإرشاد ونقل الخبرة في لقاء تم في العقبة مع والده الملك الحسين رحمه الله حين اعلمه باختياره وليا للعهد. لكن الفجوة بين الرؤية والتنفيذ تزداد اتساعاً.
إن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتماً إلى فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية وتآكل المشروعية السياسية.
الوقت قد حان لأن تتحول الحكومات الضعيفة من “الوعد” إلى “الإنجاز” القوي. الملك يعطي التوجيهات، والمجتمع ينتظر النتائج.
وجود رئيس حكومة أربع او خمس سنوات كفيلة لان يقدم وطاقم الوزارة نتائج ملموسة. إذا لم يستطع، فعليه أن يعترف بالفشل ويحاسب قبل ترحيله، ونبحث عن رئيس حكومة لديه خطة وبرنامج وطرق جديدة وشجاعة قرار وشخصية قيادية وكفاءات دولية وفهم لتاريخ الأردن وعليم بقراها ومدنها ومحافظاتها وتركيبتها الوطنية ودستور الأردن وقوانينه لتحقيق الأحلام التي يعود أساسها إلى الملك وأحلام الأردنيين الذين ينتظرون مستقبلاً أفضل.
[email protected]