خصوصيتنا مقابل الراحة: صفقة لم نناقشها
د. رائد عودة
26-07-2026 02:11 PM
نتردد أحيانا قبل قبول ملف تعريف ارتباط على موقع إلكتروني، ثم نسمح لأداة ذكية بالوصول إلى بريدنا وملفاتنا وتقويمنا لأنها تعدنا بتوفير بعض الوقت. يبدو هذا السلوك متناقضاً، لكنه يعكس الطريقة التي أصبحنا نقيس بها المخاطر الرقمية: الفائدة فورية وواضحة، أما التكلفة فبعيدة وغير مرئية. نحن نرى الرسالة التي ستُكتب، والموعد الذي سيُنظم، والملف الذي سيُلخص، لكننا لا نرى ما الذي ستستنتجه الأداة من بياناتنا، ولا أين ستُخزن، ولا كيف يمكن أن تُستخدم لاحقا.
لكن التنازل عن الخصوصية لم يبدأ مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ سنوات، اعتدنا منح تطبيقات التواصل والمنصات الرقمية صلاحيات للوصول إلى موقعنا وصورنا وجهات اتصالنا وميكروفوناتنا وسجل التصفح. وافقنا على سياسات طويلة لم نقرأها، وتعلمنا أن زر "الموافقة" هو مجرد بوابة يجب تجاوزها للوصول إلى الخدمة. ومع كثرة الطلبات والتنبيهات، أصبحت الموافقة فعلا آليا أكثر منها قرارا واعيا. وعندما يُطلب من الإنسان أن يوافق عشرات المرات، تفقد الموافقة معناها تدريجيا.
حتى فكرة الاختيار نفسها تحتاج إلى مراجعة. ففي كثير من الحالات، لا يملك المستخدم خيارا حقيقيا بين القبول والرفض، بل بين قبول الشروط أو الحرمان من الخدمة. وقد يعني الرفض عدم استخدام تطبيق ضروري للعمل، أو عدم القدرة على التواصل مع مجموعة اجتماعية، أو خسارة خدمة أصبحت جزءا من الحياة اليومية. عندما يكون الانسحاب مكلفا إلى هذا الحد، تصبح الموافقة أقرب إلى شرط مفروض بصيغة قانونية منها إلى قرار حر ومستنير. ولهذا لا يكفي أن نلوم المستخدم لأنه لم يقرأ الشروط، فالنظام نفسه صُمّم بحيث يكون القبول سهلا والفهم مرهقا، والرفض مكلفا.
لم يخترع الذكاء الاصطناعي جمع البيانات أو تحليل المحتوى. فالمنصات الرقمية كانت تقرأ السلوك وتستنتج الاهتمامات وتتنبأ بالاختيارات منذ وقت طويل. لكن الذكاء الاصطناعي رفع مستوى المخاطر من خلال الجمع بين ثلاث قدرات: الربط بين مصادر متعددة، واستخلاص المعنى والسياق، ثم التصرف بناء عليه. وعندما تُمنح أداة واحدة حق الوصول إلى البريد والملفات والتقويم والمحادثات، فإنها لا ترى أجزاء منفصلة فقط، بل تستطيع بناء صورة مترابطة عن العمل والعلاقات والأولويات والنوايا.
وهنا يظهر التحول الأهم. كانت التطبيقات التقليدية تراقب ما نفعله: أين نذهب، وماذا نشتري، وما الذي نشاهده، ومن نتواصل معه. أما أدوات الذكاء الاصطناعي فنُدخل إليها أيضا ما نفكر فيه قبل أن يتحول إلى فعل. نُشارك معها مسودات لم تكتمل، وأسئلة لم نحسمها، وأفكارا مترددة، وخططا أولية، ومخاوف لم نعلنها. وهذه المواد قد تكشف طريقة التفكير، وما نعتبره مهما، وما نفكر في فعله لاحقا. وهكذا ننتقل من مشاركة سجل السلوك إلى مشاركة آثار التفكير والنية.
والأمر لا يقتصر على ما تعرفه الأنظمة عنا، بل يمتد إلى ما نسمح لها بفعله. فالأدوات الذكية لم تعد تكتفي بالقراءة والتحليل. فبعضها يكتب ويرسل وينظم ويحذف ويشتري ويتواصل نيابة عن المستخدم. ومع ازدياد قدرة الأنظمة على الفعل، تصبح الصلاحية قرارا تشغيليا لا مجرد قرار متعلق بالبيانات. ماذا يحدث عندما تسيء الأداة فهم المقصود، لكنها تمتلك مع ذلك القدرة على إرسال الرسالة أو نقل الملف أو اتخاذ الإجراء؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يكون القرار ناتجا عن مزيج من تعليمات المستخدم واستنتاجات النظام؟
وهناك جانب آخر كثيرا ما يُهمل: عندما نمنح تطبيقا صلاحية الوصول، فنحن لا نشارك بياناتنا وحدنا. فرفع قائمة جهات الاتصال يكشف معلومات عن أشخاص لم يوافقوا على استخدام التطبيق. وربط مساعد ذكي بالبريد قد يمنحه الاطلاع على رسائل العملاء والزملاء والشركاء. وتسجيل الاجتماعات أو تلخيصها قد يعرض أفكار الحاضرين ومناقشاتهم الداخلية لنظام لم يختاروه. لذلك، فالخصوصية ليست قرارا فرديا بالكامل: موافقة شخص واحد قد تفتح نافذة على بيانات عشرات الأشخاص الآخرين.
كما أن أثر الصلاحيات لا ينتهي عند لحظة منحها. فقد تبقى البيانات سنوات، بينما تتغير الشركة أو سياساتها أو قدراتها التقنية. وقد تنتقل ملكية الخدمة، أو يُستخدم المحتوى في غرض جديد، أو ترتبط البيانات القديمة بأدوات أكثر قدرة على التحليل. وما بدا غير مهم اليوم قد يصبح شديد الحساسية حين يُقرأ لاحقا ضمن سياق أوسع. نحن نمنح الإذن في لحظة محددة، لكننا لا نعرف دائما العمر الحقيقي للمخاطرة.
لهذا، لا يمكن أن تُختزل حماية الخصوصية في مطالبة الأفراد بأن يكونوا أكثر حذرا. المسؤولية الأكبر تقع على الجهات التنظيمية والشركات والمؤسسات. ويجب أن تقتصر الصلاحيات على الحد الضروري، وأن تنتهي بعد مدة محددة، وأن يكون هناك فصل واضح بين الإذن بالقراءة والإذن بالفعل. كما ينبغي أن يعرف المستخدم بسهولة ما الذي تستطيع كل أداة الوصول إليه، وأن يتمكن من إلغاء الصلاحيات دون أن يفقد الخدمة الأساسية.
يجب أن نسأل: لماذا تحتاج الأداة (أي أداة) إلى كل هذا الوصول، وما الذي ستعرفه عند جمعه، وما الذي يمكنها فعله بعد ذلك؟ فالخصوصية لا تضيع دائماً في اختراق واحد كبير. لانها قد تتآكل بهدوء عبر مئات الموافقات الصغيرة التي بدت، كل واحدة منها، غير مهمة.
* مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا
* قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع
[email protected]