هل تُمنح الشهادات بالواسطة؟
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
27-07-2026 09:00 AM
* قراءة أكاديمية في منظومة التعليم العالي الأردني
خلال مسيرة أكاديمية امتدت لعقود، تشرفت خلالها بالعمل في عدد من مؤسسات التعليم العالي، وتحمّلت مسؤولية رئاسة جامعة إربد الأهلية، أدركت أن الحديث عن الجامعات يجب أن يستند إلى المعرفة الدقيقة بطبيعة العمل الأكاديمي، لا إلى الانطباعات أو ما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، أجد من واجبي أن أوضح للرأي العام حقيقة قد تغيب عن الكثيرين ممن لم يمارسوا العمل الجامعي من الداخل، وهي أن منح درجة البكالوريوس في الجامعات الأردنية ليس قرارًا فرديًا يصدر عن شخص واحد، ولا إجراءً يمكن تمريره بسهولة أو الالتفاف عليه.
فالبرنامج الدراسي للحصول على درجة البكالوريوس يتكون في الغالب من (132) ساعة معتمدة، يدرسها الطالب على مدار أربع سنوات تقريبًا، وتتوزع على ما يقارب (45) مقررًا دراسيًا تشمل متطلبات الجامعة والكلية والقسم والتخصص. وخلال هذه الرحلة الأكاديمية يتعامل الطالب مع عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس، وقد يصل عددهم إلى أربعين أو أكثر، فضلًا عن رؤساء الأقسام، وعمداء الكليات، ودوائر القبول والتسجيل، واللجان الأكاديمية المختلفة، ومجالس الأقسام والكليات، وصولًا إلى مجلس العمداء الذي يجيز منح الدرجات العلمية وفق الأصول.
ومن هنا يبرز سؤال منطقي يفرض نفسه: هل يُعقل أن يتواطأ هذا العدد الكبير من أعضاء هيئة التدريس والإداريين واللجان الأكاديمية لمنح شخص شهادة جامعية دون أن يستوفي متطلباتها؟
إن من يعرف طبيعة العمل الجامعي يدرك أن مثل هذا التصور بعيد للغاية عن الواقع، لأن العملية الأكاديمية تقوم على منظومة متكاملة من الضوابط والرقابة والتوثيق، وتترك أثرًا ورقيًا وإلكترونيًا لكل مقرر ولكل علامة ولكل قرار أكاديمي.
ولا يعني ذلك أن الجامعات معصومة من الخطأ، فكل مؤسسة بشرية قد تقع فيها أخطاء أو مخالفات فردية، لكن الأصل أن هذه الحالات -إن وجدت- تُثبت بالأدلة والتحقيقات الرسمية، ولا يجوز تعميمها أو تحويلها إلى أحكام مسبقة تمس مؤسسات أكاديمية بأكملها، أو التشكيك في الخريجين الذين حصلوا على شهاداتهم بعد سنوات من الجد والاجتهاد.
إن الجامعات الأردنية، ومنها جامعة جدارا، قطعت خلال السنوات الماضية رحلة تطوير كبيرة يشهد بها كل من تابع مسيرتها. فقد انتقلت من بدايات متواضعة مبنى من طابقين وباص صغير إلى مؤسسات جامعية متكاملة تضم عشرات المباني الأكاديمية، والمختبرات، والمشاغل، والمسارح، والقاعات الصفية، والمرافق الحديثة، واستطاعت أن تستقطب عشرات آلاف الطلبة من داخل الأردن وخارجه، بعد أن كانت تضم في بداياتها أعدادًا محدودة من الطلبة. لا يتجاوز الخمسين طالبا.
وقد سنحت لي فرصة زيارة جامعة جدارا، واطلعت عن قرب على حجم النهضة التي شهدتها خلال السنوات الماضية، وما تحقق فيها من تطور ملموس على مستوى البنية التحتية والبيئة الأكاديمية. ولمست بنفسي الجهود التي يبذلها مجلس الحاكمية وإدارة الجامعة، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والإداريين، في سبيل الارتقاء بمستوى التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. وهي جهود لا تُقاس بالشعارات، بل بما تحقق على أرض الواقع من توسع في المباني والمختبرات والمشاغل والمرافق التعليمية، وبما حققته الجامعة من حضور أكاديمي متنامٍ واستقطاب لآلاف الطلبة من داخل الأردن وخارجه.
وكنت قد قرأت امس تداول لروايات تربط بين عضوية بعض الشخصيات في مجالس أمناء الجامعات وبين إجراءات أكاديمية تتعلق بمنح الدرجات العلمية. ومن واقع خبرتي الأكاديمية والإدارية، أؤكد أن هذا الربط لا ينسجم مع طبيعة عمل مجالس الأمناء واختصاصاتها كما حددها قانون الجامعات وأنظمتها. فمجالس الأمناء لم تُنشأ لتكون جهة تمنح الدرجات العلمية أو تتدخل في تسجيل الطلبة أو تقييمهم أو اعتماد علامات المقررات أو إقرار تخرجهم، وإنما أُنشئت لتضطلع بمهام الحاكمية والإشراف الاستراتيجي، ورسم السياسات العامة للجامعة، ومتابعة أدائها المؤسسي، وتعزيز استدامتها المالية والإدارية، واستقطاب الكفاءات والخبرات الوطنية للإسهام في تطويرها.
ولهذا السبب، حرصت الجامعات الأردنية، الرسمية والخاصة، على استقطاب شخصيات وطنية مرموقة من أصحاب الخبرة في الاقتصاد والإدارة والقانون والصناعة والتجارة والعمل العام، لما تمتلكه من خبرات ورؤى تسهم في تطوير الجامعة وتعزيز علاقتها بالمجتمع وقطاع الأعمال، وليس لأي دور في اتخاذ القرارات الأكاديمية المتعلقة بالطلبة.
أما ما يُتداول من ادعاءات تربط بين عضوية مجلس الأمناء وبين حصول أي طالب أو طالبة على درجة علمية، فإن منظومة منح درجة البكالوريوس في الجامعات الأردنية منظومة مؤسسية متكاملة، يشترك فيها عشرات أعضاء هيئة التدريس واللجان الأكاديمية والإدارية، وتُوثق جميع إجراءاتها وفق الأنظمة والتعليمات، الأمر الذي يجعل أي ادعاء بوجود تدخل من شخص خارج هذه المنظومة ادعاءً يحتاج إلى أدلة قاطعة وتحقيقات رسمية، لا إلى استنتاجات أو روايات متداولة.
ختامًا، فإن الدفاع عن الجامعات الأردنية لا يعني الدفاع عن أي شخص، ومن الواجب إنصاف المؤسسات الأكاديمية وصون سمعتها، لأن سمعة الجامعة ليست ملكًا لإدارتها فقط، بل هي رصيد وطني يمس آلاف الطلبة والخريجين وأعضاء هيئة التدريس، ويعكس صورة التعليم العالي الأردني أمام العالم.