رؤية التحديث الاقتصادي بين مرحلتين: من تأسيس المسار إلى تعظيم الأثر
م. سعيد المصري
27-07-2026 04:21 PM
مع انتهاء البرنامج التنفيذي الأول لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2023–2025، وانطلاق البرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026–2029، أصبح من الممكن قراءة التجربة من منظور تحليلي يوازن بين ما تحقق خلال المرحلة الأولى، وما تستهدفه المرحلة الثانية، بعيداً عن المبالغة في الإنجاز أو التقليل من أهمية ما أُنجز.
فالخطط التنفيذية لا تمثل أهدافاً بحد ذاتها، وإنما أدوات للوصول إلى اقتصاد أكثر قدرة على النمو، وأكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر قدرة على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
اشتمل البرنامج التنفيذي الأول على 126 مبادرة موزعة على محركات الرؤية المختلفة، وأسهم في إطلاق حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، وتهيئة البيئة الاستثمارية، والبدء بتنفيذ مشروعات في قطاعات الصناعة والطاقة والمياه والزراعة والسياحة والتعليم والصحة والتحول الرقمي. كما حافظ الاقتصاد الأردني خلال تلك الفترة على استقراره النقدي والمالي، واستمر في تحقيق معدلات نمو إيجابية رغم الظروف الإقليمية الصعبة، وما رافقها من تأثيرات على التجارة والسياحة والاستثمار.
ومع ذلك، فإن طبيعة المرحلة الأولى كانت أقرب إلى مرحلة التأسيس منها إلى مرحلة جني النتائج. فقد انصبت معظم الجهود على بناء الأطر المؤسسية، واستكمال التشريعات، وإعداد المشروعات، وتهيئة البيئة اللازمة للاستثمار. أما الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الإجراءات على النمو والتشغيل والإنتاجية، فما زال يحتاج إلى وقت أطول حتى ينعكس بصورة كاملة على الاقتصاد الوطني.
ومن هنا جاء البرنامج التنفيذي الثاني أكثر تفصيلاً واتساعاً، إذ يضم 182 مبادرة تنفذ من خلال نحو 392 مشروعاً تغطي خمسة وعشرين قطاعاً اقتصادياً وخدمياً، مع مؤشرات أداء أكثر وضوحاً، بما يعكس انتقال الرؤية تدريجياً من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات الكبرى.
وتشير مكونات البرنامج إلى استمرار التركيز على تطوير الصناعة، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع أنشطة التعدين، وتحسين البيئة السياحية، وتطوير التعليم والصحة، والتحول الرقمي، إلى جانب إعطاء أولوية خاصة لقطاعات المياه والطاقة والنقل، باعتبارها البنية الأساسية التي سيقوم عليها النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وفي القطاع الصناعي، يركز البرنامج على رفع تنافسية المنشآت الصناعية، وزيادة قدرتها على التصدير، وتحفيز الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما يعزز مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
أما في قطاع التعدين، فيتجه الاهتمام نحو تحويل عمليات الاستكشاف إلى استثمارات إنتاجية، مع أهمية أن تمتد القيمة الاقتصادية إلى التصنيع المحلي ونقل المعرفة، بحيث لا يقتصر العائد على استخراج الخامات فحسب.
وفي قطاع السياحة، يتضمن البرنامج مشروعات لتطوير المنتج السياحي، وتعزيز السياحة العلاجية والدينية، وتحسين الربط الجوي، وتنويع الأنشطة السياحية. وتبقى قدرة القطاع على التعافي السريع من الأزمات الإقليمية عاملاً رئيسياً في قياس نجاح هذه الجهود، إلى جانب مؤشرات أكثر عمقاً، مثل متوسط إقامة السائح، ومتوسط إنفاقه، وتنوع الأسواق السياحية.
أما قطاع الزراعة والأمن الغذائي، فقد واصل حضوره ضمن البرنامج التنفيذي الثاني من خلال مشروعات تستهدف رفع الإنتاجية، وتحسين الصادرات، وتعزيز الأمن الغذائي. غير أن تحقيق الأثر الكامل لهذه المشروعات يستدعي استكمال منظومة الحوكمة المؤسسية للقطاع الزراعي الخاص، بما يعزز التكامل بين اتحاد المزارعين، والاتحادات النوعية، والجمعيات التعاونية، والشركات الزراعية، من خلال غرفة زراعة فاعلة تنسق مع وزارات الزراعة والمياه والبيئة، وتربط التخطيط للإنتاج بالموارد المائية والأسواق المحلية والخارجية، بما يحقق استقراراً أكبر للإنتاج وتحسناً مستداماً في دخل المزارعين.
وتبرز أهمية المرحلة الثانية بصورة خاصة مع بدء تنفيذ مشروعين يعدان من أكبر المشروعات التنموية في تاريخ المملكة، وهما مشروع الناقل الوطني للمياه، ومشروع سكة حديد العقبة.
فمشروع الناقل الوطني يمثل استثماراً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز الأمن المائي للأردن، بينما يشكل مشروع السكة الحديدية نقلة نوعية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، مع ما يتيحه من تخفيض كلف نقل الفوسفات والبوتاس وربط مناطق الإنتاج بالموانئ بصورة أكثر كفاءة.
وتشير التقديرات المعلنة إلى أن حجم الاستثمارات في هذين المشروعين يقترب من عشرة مليارات دولار عند احتساب الكلف الرأسمالية وكلف التمويل والأعمال المرتبطة بهما، فيما يرجح أن تمتد مرحلة الإنشاء حتى نهاية العقد الحالي.
وهنا تبرز زاوية تحليلية مهمة، تتمثل في أثر هذا الحجم الكبير من الإنفاق الاستثماري خلال سنوات التنفيذ.
فإذا افترضنا أن الإنفاق سيتوزع على أربع سنوات، فإن الاقتصاد الأردني سيستقبل في المتوسط استثمارات سنوية تتجاوز ملياري دولار، تُنفق على أعمال الإنشاء والمقاولات والخدمات الهندسية ومواد البناء والنقل والمعدات والعمالة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
ويمثل ذلك في حد ذاته محركاً مهماً للنشاط الاقتصادي، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالاً بالغ الأهمية:
ما مقدار القيمة المضافة التي سيولدها كل دولار يُنفق خلال مرحلة الإنشاء؟
فليس كل الإنفاق الاستثماري ينعكس بالدرجة نفسها على الاقتصاد الوطني. ويتوقف حجم الأثر الاقتصادي على نسبة المكون المحلي في هذه المشروعات، وحجم مشاركة الشركات الأردنية، وعدد فرص العمل التي توفرها، ومدى اعتمادها على المواد والخدمات المنتجة محلياً.
فكلما ارتفعت نسبة الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، ازدادت مساهمة المشروع في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وتحفيز الطلب المحلي، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتحريك قطاعات اقتصادية أخرى بصورة غير مباشرة.
أما إذا ارتفعت نسبة المستوردات أو الخدمات الأجنبية، فإن جانباً مهماً من الأثر الاقتصادي سيتسرب إلى الخارج، رغم أهمية تلك المستوردات لإنجاز المشروع.
غير أن الأثر الحقيقي لهذه المشروعات لا يقتصر على سنوات الإنشاء وحدها، بل يبدأ بصورة أوسع بعد دخولها مرحلة التشغيل.
فالناقل الوطني سيعزز الأمن المائي، ويتيح مرونة أكبر في توزيع الموارد المائية بين الاستخدامات المختلفة، بينما ستؤدي السكة الحديدية إلى تخفيض كلف النقل ورفع تنافسية قطاع التعدين وفتح آفاق جديدة أمام الخدمات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تبرز قضية التمويل باعتبارها أحد المفاصل الأساسية في نجاح المرحلة الثانية.
ففي ظل استمرار الضغوط على المالية العامة، لم تُبنَ رؤية التحديث الاقتصادي على افتراض أن الخزينة العامة ستكون الممول الرئيس لجميع المشروعات، وإنما قامت على فلسفة مختلفة تعتمد على أن تتولى الدولة تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية، وإنجاز البنية التحتية الاستراتيجية، بينما يكون التمويل الرئيس للمشروعات الإنتاجية من خلال الاستثمارات المحلية والأجنبية، والشراكات مع القطاع الخاص، ومؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية هذه المقاربة خلال السنوات الأربع المقبلة، التي ستشهد تنفيذ مشروعات رأسمالية ضخمة في المياه والنقل والطاقة. فهذه المشروعات، على أهميتها، ستستوعب جزءاً كبيراً من القدرات التمويلية والتنفيذية للدولة.
غير أن نجاح هذه المشروعات، على أهميتها الاستراتيجية، لن يكون كافياً وحده لتحقيق معدلات النمو التي تستهدفها رؤية التحديث الاقتصادي. فمشروعات البنية التحتية، مهما بلغ حجمها، تؤدي في المقام الأول إلى تهيئة البيئة الاقتصادية وتحسين كفاءة الاقتصاد، لكنها لا تستطيع بمفردها إحداث القفزة المطلوبة في النمو ما لم تترافق مع دخول استثمارات إنتاجية جديدة تستفيد من هذه البنية التحتية.
فكل دولار يُستثمر في إنشاء الناقل الوطني أو شبكة السكك الحديدية ينبغي أن يقابله تدفق لاستثمارات جديدة في الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والسياحة والتصنيع الزراعي. وعندها فقط يتحول الإنفاق على البنية التحتية من كلفة رأسمالية إلى محرك يولد قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن السنوات الأربع المقبلة لا تمثل فقط مرحلة تنفيذ مشروعات كبرى، بل تمثل أيضاً نافذة زمنية ينبغي استثمارها لاستقطاب موجة جديدة من الاستثمارات المحلية والأجنبية، حتى تدخل هذه المشروعات مرحلة التشغيل وهي محاطة بقاعدة إنتاجية قادرة على الاستفادة منها منذ اليوم الأول. أما إذا تأخر تدفق الاستثمارات الإنتاجية إلى ما بعد اكتمال البنية التحتية، فإن جزءاً من العائد الاقتصادي المتوقع سيتأخر هو الآخر، وقد لا تتحقق معدلات النمو المستهدفة بالسرعة التي رسمتها الرؤية.
ولهذا، فإن نجاح المرحلة الثانية سيقاس ليس فقط بإنجاز المشروعات الاستراتيجية، وإنما أيضاً بقدرتها على تحفيز استثمارات جديدة ترفع معدل النمو الاقتصادي تدريجياً إلى أكثر من 4% سنوياً، وهو المستوى الذي تبدأ معه الخزينة العامة بالاستفادة من اتساع القاعدة الضريبية وارتفاع الإيرادات، بما يتيح تمويل جزء أكبر من برامج التنمية من ثمار النمو نفسه، وليس من خلال التوسع في الاقتراض أو الاعتماد على الموارد التقليدية.
ويمكن النظر إلى السنوات الأربع المقبلة باعتبارها مرحلة الاستثمار التي يجري خلالها بناء الأصول الاقتصادية الكبرى، على أن تبدأ مرحلة الحصاد مع دخول هذه المشروعات الخدمة وبدء انعكاس آثارها على الإنتاج والاستثمار والصادرات وفرص العمل.
وعندما ينجح الاقتصاد الأردني في تحقيق معدلات نمو تتجاوز 4% سنوياً بصورة مستدامة، ستزداد قدرة الخزينة العامة على تمويل برامج التنمية من الإيرادات التي يولدها الاقتصاد نفسه، ويتراجع الاعتماد النسبي على الاقتراض لتمويل الاستثمارات المستقبلية، وهو ما يشكل الهدف النهائي لأي برنامج تنموي طويل الأجل.
ومن هذه القراءة، يمكن استخلاص عدد من الملاحظات التي قد تسهم في تعظيم الأثر الاقتصادي للمرحلة الثانية.
أولها، إبراز البيانات الاقتصادية المتعلقة بالمشروعات الاستراتيجية أمام المختصين والباحثين في الشؤون الاقتصادية، بما يتيح إجراء تقييم علمي للأثر الاقتصادي خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل. ويشمل ذلك تحليل حجم الإنفاق السنوي، ونسبة المكون المحلي، وحجم المشتريات من السوق الأردنية، وفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ومدى مساهمة هذا الإنفاق في رفع معدلات النمو الاقتصادي السنوي. فمن خلال هذه البيانات يمكن قياس المضاعف الاقتصادي للاستثمار، أي مقدار ما يضيفه كل دينار أو كل دولار يُستثمر إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يساعد على تحسين التخطيط للمشروعات المستقبلية وتعظيم أثرها الاقتصادي.
وثانيها، العمل على تعظيم مشاركة الشركات الوطنية والمقاولين والمهندسين والعمالة الأردنية في تنفيذ المشروعات الكبرى، بما يرفع نسبة القيمة المضافة المحلية ويزيد من استفادة الاقتصاد الوطني من الإنفاق الاستثماري.
وثالثها، مواصلة جذب الاستثمارات الإنتاجية بالتوازي مع تنفيذ مشروعات البنية التحتية، بحيث تتحول مشروعات المياه والنقل والطاقة إلى منصات لانطلاق استثمارات جديدة في الصناعة والتعدين والزراعة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي.
ورابعها، استكمال منظومة حوكمة القطاع الزراعي الخاص، وربط التخطيط للإنتاج بالموارد المائية والأسواق والتصنيع والتصدير، بما يعزز مساهمة القطاع الزراعي في الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي في آن واحد.
إن قراءة البرنامجين التنفيذيين توضح أن المرحلة الأولى أسست للإصلاحات وبناء البيئة المؤسسية، بينما تمثل المرحلة الثانية مرحلة الاستثمار في المشروعات الاستراتيجية الكبرى. ويبقى نجاح هذه المرحلة مرتبطاً بقدرتها على تحويل الإنفاق الاستثماري إلى قيمة مضافة حقيقية، وإطلاق دورة جديدة من الاستثمارات الخاصة، وصولاً إلى اقتصاد أكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام يتجاوز 4% سنوياً، بما يفتح الباب أمام مرحلة الحصاد التي تستهدفها رؤية التحديث الاقتصادي.