بعد 250 عاماً .. أين الولايات المتحدة من الأسس التي قامت عليها؟!
أ.د أحمد بطَّاح
28-07-2026 01:02 AM
تحتفل الولايات المتحدة في الرابع من هذا الشهر (7) من كل عام بعيد ميلادها المائتين والخمسين حيث استقلت عن بريطانيا في عام 1776، والواقع هو أن الولايات المتحدة هي القطب الأكبر في عالم اليوم، فاقتصادها يشكل ربع الاقتصاد الدولي، وجيشها يمتلك 6000 رأس نووي استراتيجي وله 800 قاعدة عسكرية تكاد تغطي معظم أرجاء الكون، ويعتقد كثيرون أنّ الولايات المتحدة ربما تكون أغنى وأقوى قوة عبر التاريخ، ولهذه الأسباب فإنّ التوقف عند هذه الذكرى والتساؤل عن مدى التزام الولايات المتحدة بالأسس التي قامت عليها والتي وضعها الآباء والمؤسسون (Founding Fathers) قد يكون مُبرّراً وذا قيمة.
إنّ الخبراء والدارسين يختلفون في مدى التزام الولايات المتحدة بالمبادئ والأُسس التي قامت عليها، فهناك المحافظون (Conservatives) الذين يرون أن الولايات المتحدة ابتعدت كثيراً عن هذه الأسس والمبادئ بسبب توسع الحكومة الفيدرالية وتعاظم صلاحيات السلطة التنفيذية، وهناك الليبراليون (Liberals) الذين يعتقدون أن الدستور الأمريكي صُمم ليكون مرناً وقابلاً للتعامل مع المستجدات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، وإذا أردنا أن نرصد أهم ما يعتقده المحافظون من خروج على الأُسس التي قامت عليها الولايات المتحدة فإننا يمكن أن نشير إلى ما يلي:
أولاً: تضخم السلطة التنفيذية: فقد كانت هناك خشية لدى المؤسسين الأوائل من أن تتركز السلطة في يد شخص واحد، ولكن يبدو أن هذا ما هو موجود الآن حيث يُعتبر الرئيس الأمريكي أقوى رئيس تنفيذي في العالم، ويتهم كثيرون أنّ الرئيس الحالي ترامب يحاول أن يكون "ملكاً".
ثانياً: توسع دور الحكومة الفيدرالية: فرغم منح الدستور الحكومة الفيدرالية (Federal Government) صلاحيات محدودة إلّا أنها اليوم حاضرة وذات نفوذ قوي في معظم مجالات الصحة والتعليم والتنمية وغيرها.
ثالثاً: نفوذ المال وجماعات الضغط (Lobbies): والواقع أن المُجمّعات الصناعية، والشركات الكبرى، وجماعات الضغط (Interest Groups) تلعب أدواراً كبيرة في صناعة القرار على مستويات مختلفة بالعالم وبما لم يتصورها الآباء المؤسسون الذين كانوا يرمون إلى تحقيق المساواة السياسية بين المواطنين الأمريكيين.
رابعاً: تعاظم الدور الدولي: فقد حرص الآباء المؤسسون للولايات المتحدة على تجنب الصراعات الخارجية والبقاء خارج التحالفات الدائمة وقد تكون الولايات المتحدة حافظت على نوع من العزلة "والنأي بالنفس" حتى نشوب الحرب العالمية الثانية حيث انحازت إلى الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، الاتحاد السوفيتي...) وكان لها دور مُرجِّح في مواجهة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، ومنذ ذلك الوقت انخرطت "بالحرب الباردة" ضد الاتحاد السوفيتي، وتزعمت حلف شمال الأطلسي (Nato)، ودخلت في حروب كثيرة (فيتنام، أفغانستان، العراق، إيران)...
أمّا فيما يتعلق بما يعتقده الليبراليون من محافظة على أهم الأُسس والمبادئ مع تطويرها وتكييفها بما يتناسب مع تطورات العصر فإنه يمكن الإشارة إلى ما يلي:
أولاً: تداول السلطة عبر الانتخابات: فالرؤساء يتولون الموقع الرئاسي بالانتخاب ويغادرونه بعد انتهاء مدتهم (8 سنوات هي أقصى مدة للرئيس الآن)، وقل مثل ذلك في جميع الهيئات المنتخبة (أعضاء الكونغرس، حكام الولايات...).
ثانياً: استقلال القضاء: إذْ ما زال القضاء الأمريكي هو صاحب الكلمة الأخيرة عند حدوث الاختلافات، ويلعب مجلس القضاء الأعلى الأمريكي (Spreme Court) دوراً مهماً في الحياة الأمريكية، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة كيف أن قاضياً فيدرالياً يستطيع أن يوقف أمراً لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية!
ثالثاً: حماية حرية التعبير: فالصحافة الأمريكية حُرّة وصاحبة دور حتى لو كان ذلك في مواجهة الرئيس الأمريكي نفسه، وهناك صحف أمريكية عالمية المستوى، مثل نيويورك تايمز (New York Times)، والواشنطن بوست (Washington Post)، والفورين أفيرز (Foreign Affairs) وكُلنا يذكر كيف أن صحفياً أمريكياً واحداً استطاع أن يتسبب في فضيحة ووترجيت (Watergate) ويضطر الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الاستقالة.
رابعاً: الإبقاء على الدستور الأمريكي: فقد تمت المحافظة على الدستور الأمريكي منذ وضعه في الأعوام الأولى لتأسيس الدولة مع إجراء تعديلات محدودة وبإجراءات ليست سهلة وبما يجعله أقدم دستور مكتوب في العالم.
وختاماً، فإنّ من الإنصاف القول بأنّ الولايات المتحدة حافظت على أهم الأُسس التي قامت عليها (دستور، انتخابات، قضاء مستقل....)، ولكنها طورت بعض هذه الأُسس لكي تتلاءَم مع متطلبات المراحل المختلفة (توسع صلاحيات الحكومة الفيدرالية في مقابل صلاحيات الولايات المتحدة، تمركز سلطات أكثر في يد رئيس الدولة، تزايد حالة الاستقطاب السياسي، تعاظم فعالية الدور الدولي...)، ويبدو أنها نجحت في خلق نظام سياسي فاعل ومرن إلى درجة أنه استطاع أن يعيش لمدة 250 سنة بدون رجّات حقيقية!