facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




‎كيف ستُقاس قوة الدول في الشرق الأوسط القادم؟


د. ليال عيسوه
05-08-2026 10:28 AM

* الاستقلال الاستراتيجي معيار القوة الجديد

لم يعد السؤال في الشرق الأوسط القادم متعلقاً فقط بمن يمتلك أكبر الموارد أو النفوذ السياسي أو أدوات القوة التقليدية، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف ستُقاس قوة الدول في عالم يتغير بسرعة؟

فخلال السنوات الأخيرة، كشفت التحولات العالمية والإقليمية أن مفهوم القوة لم يعد ثابتاً كما كان في السابق. فالدول لا تُقاس فقط بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة هذه الموارد، وحماية خياراتها، وبناء منظومات وطنية قادرة على الصمود والاستجابة للمتغيرات.
‎
ومن هنا يبرز مفهوم الاستقلال الاستراتيجي باعتباره أحد أهم المفاهيم التي ستحدد شكل الدول وأدوارها في المرحلة المقبلة. فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانعزال عن العالم أو السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل، فهذا لم يعد ممكناً في عالم قائم على الترابط والتكامل، وإنما يعني امتلاك الدولة القدرة على إدارة اعتمادها المتبادل مع الآخرين من موقع قوة، وتنويع خياراتها، وبناء شراكاتها بما يحفظ قرارها الوطني ويعزز قدرتها على التأثير.
‎
لقد تغير مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد السيادة مرتبطة فقط بحماية الحدود والحفاظ على المؤسسات، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الدولة على تأمين مقومات استمرارها؛ من الطاقة والغذاء والمياه، إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والقدرة على التعامل مع الأزمات.
‎
ولهذا أصبحت الطاقة والغذاء جزءاً من معادلة السيادة الحديثة. فالدولة التي تمتلك مصادر متنوعة للطاقة، ومخزوناً استراتيجياً، ومنظومة غذائية أكثر مرونة، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني في أوقات الأزمات. أما الدولة التي تعتمد بشكل كامل على الخارج في احتياجاتها الحيوية، فقد تصبح خياراتها أكثر تأثراً بالمتغيرات الدولية.
‎
وقد أكدت الأزمات العالمية الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح؛ فأزمة الطاقة العالمية أثبتت أن أمن الطاقة لم يعد ملفاً اقتصادياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالأمن الوطني والاستقرار السياسي. كما كشفت اضطرابات سلاسل توريد الغذاء أن الأمن الغذائي لم يعد قضية إنتاج فقط، بل أصبح جزءاً من قدرة الدول على التخطيط والاستباق وتعزيز جاهزيتها الوطنية.
‎
وفي ضوء ذلك، فإن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف القوة. فالمنطقة التي ارتبطت لعقود بثرواتها الطبيعية وموقعها الجغرافي، تواجه اليوم سؤالاً مختلفاً: من يستطيع تحويل الإمكانات إلى قدرة؟
‎
فالموارد تمنح الدول فرصة، لكنها لا تصنع القوة وحدها. فالقوة الحقيقية تكمن في القدرة على التخطيط، والاستثمار في الإنسان، وتطوير المعرفة والتكنولوجيا، وبناء اقتصادات أكثر مرونة، وتحويل التحديات إلى فرص.
‎
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحالة الأردنية. فالأردن لم يعتمد تاريخياً على وفرة الموارد، بل على القدرة على إدارة التحديات، وبناء الشراكات، والحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية معقدة. وهذه العناصر شكلت جزءاً أساسياً من قوته ومكانته.
‎
وتنسجم هذه الرؤية مع نهج جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في التأكيد على أهمية بناء دولة قادرة على مواجهة المتغيرات، وتعزيز الجاهزية الوطنية، والاستثمار في القطاعات التي تصنع مستقبل الأردن. فالرؤية الملكية تنطلق من إدراك أن قوة الدول لا تُبنى فقط بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على التخطيط، وتطوير قدراتها، وتحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز مكانتها من خلال الشراكات الفاعلة.
‎
واليوم، فإن التحدي الأردني لا يكمن فقط في التعامل مع محدودية الموارد، بل في تحويل هذه المحدودية إلى ميزة استراتيجية. فتعزيز أمن الطاقة، وتطوير منظومة الأمن الغذائي، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وبناء القدرات الوطنية، ليست مجرد ملفات اقتصادية، بل أدوات لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي ورفع قدرة الدولة على حماية خياراتها وصناعة مستقبلها.
‎
كما أن قيمة الأردن في الشرق الأوسط القادم لا ترتبط فقط بموقعه الجغرافي، بل بقدرته على أن يكون شريكاً في صناعة الحلول؛ دولة تربط بين الاستقرار والتنمية، وبين الأمن والاقتصاد، وبين التحديات الإقليمية وفرص التعاون.
‎
فالشرق الأوسط القادم لن تحدده فقط الدول التي تمتلك الموارد، بل الدول التي تمتلك القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة، والموقع إلى دور، والتحديات إلى فرص. وستكون المكانة للدول التي تنتقل من رد الفعل إلى الاستباق، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الجاهزية.
‎
وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيحدد شكل المنطقة في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يملك القوة؟ بل: من يمتلك القدرة على صناعة المستقبل؟
‎
فالقوة في الشرق الأوسط القادم لن تكون فقط في حجم الموارد، بل في الرؤية، والجاهزية، والقدرة على حماية الخيارات وبناء التأثير.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :