أمانة إربد الكبرى وأمانة الزرقاء الكبرى .. ماذا بعد التسمية؟
د. ليال عيسوه
17-08-2026 12:42 AM
في النقاش العام الدائر حول الإدارة المحلية، طُرحت فكرة أن تكون إربد والزرقاء أمانتين على غرار أمانة عمّان الكبرى. وقد يُنظر إلى الفكرة باعتبارها تغييرًا في الصفة الإدارية، لكن الأهم هو ما وراءها من سؤال يتعلق بمستقبل المدن الأردنية الكبرى: هل تحتاج هذه المدن إلى نموذج إداري مختلف يواكب حجمها ووظائفها وتحولاتها، أم أن تحدياتها يمكن معالجتها ضمن النموذج البلدي القائم؟
هذا السؤال أهم من المسمى نفسه؛ لأن قيمة أي تغيير مؤسسي لا تقاس بما يضاف إلى اسم المؤسسة، وإنما بما يضاف إلى قدرتها على اتخاذ القرار، وإدارة الموارد، وتنفيذ الخطط، وتحقيق النتائج. فإذا كانت الغاية هي تمكين المدن الكبرى من التعامل مع تحدياتها بصورة أكثر فاعلية، فإن النقاش ينبغي أن يبدأ من طبيعة هذه التحديات، ثم يبحث عن النموذج المؤسسي القادر على الاستجابة لها.
فالمدن الكبرى تتغير بوتيرة تتجاوز مجرد الزيادة في أعداد السكان. تتوسع رقعتها العمرانية، وتتداخل وظائفها الاقتصادية، وتتزايد حركة السكان بينها وبين محيطها، وتتنامى احتياجاتها في مجالات النقل والبنية التحتية والخدمات والبيئة والاستثمار. ومع هذا التعقيد، تصبح إدارة المدينة عملية مترابطة؛ إذ يؤثر التخطيط العمراني في أنماط الحركة والنقل، ويؤثر النقل في النشاط الاقتصادي، وتؤثر البنية التحتية في الاستثمار وجودة الحياة. لذلك، لم يعد كافيًا التعامل مع هذه الملفات بوصفها خدمات منفصلة، بل أصبح المطلوب إدارة المدينة وفق رؤية متكاملة.
ومن هنا تكتسب خصوصية إربد والزرقاء أهمية خاصة. فإربد تمتلك قاعدة تعليمية وصحية وزراعية وتجارية ومعرفية يمكن البناء عليها لتعزيز دورها التنموي في شمال المملكة. والزرقاء تمتلك ثقلًا سكانيًا وصناعيًا واقتصاديًا، إلى جانب تحديات حضرية وبيئية وبنيوية تحتاج إلى معالجة طويلة المدى. وهذا يعني أن أي تطوير في نموذج الإدارة المحلية يجب أن يبدأ من وظيفة المدينة وخصائصها وميزاتها النسبية واحتياجاتها الفعلية، لا من افتراض أن نموذجًا واحدًا يصلح لجميع المدن.
وعليه، فإن تجربة أمانة عمّان الكبرى يمكن أن تكون مصدرًا للاستفادة والتعلم، لكنها ليست بالضرورة نموذجًا ينبغي تطبيقه كما هو. فلكل مدينة سياقها التاريخي والعمراني والديموغرافي والاقتصادي، وما تحتاجه إربد قد لا يكون هو ما تحتاجه الزرقاء. ولذلك، فإن الرؤية الأكثر نضجًا تتمثل في وضع إطار وطني واضح للمدن الكبرى، يتيح تصميم ترتيبات إدارية تتناسب مع طبيعة كل مدينة.
وهنا يمكن اعتماد معايير موضوعية تحدد متى تحتاج المدينة إلى صلاحيات أوسع أو إلى نموذج إداري مختلف، مثل حجم السكان، والكثافة العمرانية، والامتداد الحضري، وحجم النشاط الاقتصادي، وتعقيد الخدمات، والقدرة المؤسسية والمالية، ومستوى الترابط بين المدينة ومحيطها. وبهذا يصبح اختيار النموذج الإداري استجابة لحاجة يمكن تقييمها، لا مجرد تغيير في الصفة القانونية.
غير أن توسيع الصلاحيات لا يحقق الغاية منه ما لم ترافقه موارد وأدوات تنفيذ تتناسب معها. فالمؤسسة التي تُسند إليها مسؤوليات أكبر في التخطيط والتنمية والبنية التحتية والنقل والاستثمار تحتاج إلى قدرة مالية وإدارية وتنفيذية تمكنها من القيام بهذه المسؤوليات. ولذلك ينبغي أن يقوم أي نموذج مستقبلي على معادلة واضحة: صلاحيات تتناسب مع المسؤوليات، وموارد تتناسب مع الصلاحيات، ومساءلة تتناسب مع حجم القرار.
وهنا تبرز أهمية الحوكمة المحلية. فكلما اتسعت صلاحيات المؤسسة المحلية، ازدادت الحاجة إلى الشفافية والرقابة وقياس الأداء والإفصاح عن النتائج. كما ينبغي أن تكون العلاقة بين المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي واضحة؛ فالمجلس يحدد السياسات والأولويات المحلية ويراقب الأداء، بينما يتولى الجهاز التنفيذي تنفيذها وفق أسس مهنية وإدارية واضحة. فوضوح الاختصاصات لا يحمي فقط من تداخل الأدوار، بل يجعل المساءلة أكثر وضوحًا أمام المواطن.
وفي الوقت نفسه، فإن تعزيز الإدارة المحلية لا يعني إضعاف دور الحكومة المركزية أو الانتقاص من مسؤولياتها الوطنية. فالدولة تحتاج إلى سياسات وطنية ومعايير موحدة ورقابة على المشروعية وحماية المال العام، بينما تحتاج المدن إلى مساحة حقيقية لاتخاذ القرارات المرتبطة بخصوصيتها واحتياجات سكانها. والمطلوب هو توزيع واضح للوظائف والمسؤوليات؛ بحيث تبقى القضايا التي تتطلب سياسة وطنية موحدة ضمن المستوى المركزي، بينما تُدار القضايا المحلية في المستوى الأقرب إلى المواطنين والأقدر على الاستجابة لها.
لكن الرؤية الأهم تتجاوز الشكل الإداري إلى وظيفة المدينة نفسها. فالإدارة المحلية في المستقبل لا ينبغي أن تظل محصورة في تقديم الخدمات، بل ينبغي أن تصبح أداة فاعلة في إدارة التنمية الحضرية. وهذا يتطلب رؤية بعيدة المدى تحدد موقع المدينة في الاقتصاد الوطني، وأولوياتها العمرانية، واحتياجاتها من البنية التحتية والنقل، وفرصها الاستثمارية، وقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة.
ومن هذه الزاوية، تستطيع إربد أن تبني على مقوماتها التعليمية والصحية والزراعية والمعرفية لتطوير اقتصاد حضري أكثر تنوعًا وتعزيز دورها التنموي في شمال المملكة. كما تستطيع الزرقاء أن تعيد توظيف ثقلها الصناعي والاقتصادي وموقعها ضمن رؤية تنموية تعالج في الوقت نفسه تحدياتها البيئية والعمرانية. وهنا يصبح التخطيط المحلي جزءًا من التنمية الوطنية، بدل أن تظل المدن مجرد مستويات إدارية لتقديم الخدمات.
لهذا، فإن النقاش حول «أمانة إربد الكبرى» و«أمانة الزرقاء الكبرى» يمكن أن يكون مدخلًا لحوار أوسع حول شكل المدن التي نريدها في الأردن خلال العقدين المقبلين. فقد يكون نموذج الأمانة مناسبًا لبعض المدن، وقد يكون توسيع صلاحيات البلديات الكبرى أكثر ملاءمة، وقد نحتاج إلى نموذج آخر للإدارة الحضرية. المهم أن يكون الاختيار نتيجة تشخيص واضح للحاجة والقدرة والوظيفة، لا أن يصبح المسمى هو نقطة البداية والنهاية.
فالمدينة لا تصبح أكثر قدرة لمجرد أن تحمل مؤسستها اسمًا مختلفًا، وإنما عندما تمتلك مؤسسة قادرة على التخطيط، وصلاحيات تمكّنها من اتخاذ القرار، وموارد تسمح لها بالتنفيذ، ونظامًا واضحًا للمساءلة عن النتائج.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تصبح إربد أمانة؟ وهل تصبح الزرقاء أمانة؟
بل: ما النموذج الذي يجعل كل مدينة أردنية كبرى أكثر قدرة على إدارة نموها، واستثمار إمكاناتها، وتحسين جودة الحياة فيها، وتحمل مسؤولية قراراتها ونتائجها؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي تطوير في الإدارة المحلية.
فالتغيير المؤسسي لا يبدأ بتغيير الاسم، وإنما يبدأ بتغيير القدرة على الفعل.